على الرغم من سرعة انتشار الشوكولاتة بوصفها واحدة من أشهر الحلويات اللذيذة، فإنه من اللافت للنظر أنّ بداية استخدامها كان في الواقع موجهًا للاستفادة من الخواص العلاجية للكاكاو -المُكون الأساسي في الشوكولاتة-، وقد توالت الأبحاث التي درست الفوائد الممكنة للكاكاو.[1]
الكاكاو
عرف البشر العديد من الأطعمة والمشروبات المُصنعة من ثمرة الكاكاو (Theobroma cocoa) منذ حوالي 460 سنة قبل الميلاد، ويُعتقد أنّ أمريكا الوسطى كانت البلد الأول الذي استخدم فيه السكان الأصليون الكاكاو أو الشوكولاتة لأغراض علاجية بطريقة مباشرة أو كوسيلة لنقل الأدوية الأخرى، وقد انتشر الكاكاو بعد ذلك منها إلى المناطق المختلفة من أوروبا وذلك في منتصف العام 1500، وفي الفترة الممتدة بين القرن السادس عشر والقرن العشرين جرى توثيق ما يربو عن 100 استخدام للكاكاو أو للشوكولاتة في المجال الطبي العلاجي، إذ كان أبرز هذه الاستخدامات؛ زيادة الوزن للمرضى الذين يعانون من الهزال، وتحفيز الجهاز العصبي، وأخيرًا تحسين عمليتي التغذية والتخلص من الفضلات في الجسم.[1]
يُنظر إلى الشوكولاتة على أنها أحد الحلويات الفاخرة التي تُصنّع من ثمار الكاكاو عبر عملية مُكونة من خطوات عدة، مثل التخمير، والتجفيف، والتحميص، والطحن، والتكرير، وهناك هدف خاص لكل خطوة من هذه الخطوات، فمثلًا ينتج عن عملية تخمير ثمار الكاكاو إبراز النكهة المميزة للشوكولاتة، بينما تتضمن عملية التجفيف إزالة الماء من الثمار.[2]
إنتاج الكاكاو وزراعته
يُقدّر المتوسط العالمي لاستهلاك الفرد من الشوكولاتة بحوالي 0.9 كيلوغرام سنويًا، ويشير هذا الرقم إلى الزيادة الواضحة في استهلاك الشوكولاتة،[2]ففي الصين مثلًا يُقدر استهلاك الفرد السنوي من الشوكولاتة بحوالي 0.12 كيلو غرام سنويًا، بينما يصل إلى قرابة 11.85 كيلوغرام في إيرلندا، هذا ويقع استهلاك الفرد من الشوكولاتة في الولايات المتحدة الأمريكية بين هذين الرقمين، ويقدر إسهام الدول المُتقدمة في إنتاج الكاكاو بما نسبته 64% من الإنتاج العالمي الكلي له، ويتصدر ساحل العاج طليعة الدول المُنتجة للكاكاو في العالم، وقد قُدر إنتاجه منه في الفترة الواقعة بين 2006 و2007 بحوالي 1.2 مليون طن.[1]
تُمثل شجرة الكاكاو إحدى النباتات الاستوائية التي تحتاج إلى ظروف خاصة تُسهل نموها، وتُمثل المناطق الاستوائية الدافئة من وسط وجنوب أمريكا الموطن الطبيعي لنمو الكاكاو، إذ تتراوح درجات الحرارة هناك بين 20-30 درجة مئوية، وتوفر هذه الدرجات الدفء المطلوب للنمو المثالي للكاكاو، بينما لا تنجح زراعة الكاكاو في المناطق المعرضة للإصابة بالصقيع، وإضافةً للمناخ الدافئ تحتاج شجرة الكاكاو لمستويات عالية من الرطوبة تتخطى حاجز 70%، إذ تلعب الرطوبة دورًا هامًا في الحفاظ على قوة شجرة الكاكاو، كما أنها تضمن الاحتفاظ بصحة وحيوية أوراق شجرة الكاكاو وثمارها، ولا بُد من الإشارة إلى أنّ الأهمية الحيوية لشجرة الكاكاو تكمن في قرونها، إذ إنها مكمن لثمار الكاكاو التي يصار إلى تصنيعها لاحقًا لمنتجاتٍ عدة.[3]
السعرات الحرارية والقيمة الغذائية في الكاكاو، وهل الكاكاو يزيد الوزن؟
تتباين مكونات الكاكاو تبعًا لجملة من العوامل البيئية والوراثية، ويمكن تقدير محتوى الكاكاو من السعرات الحرارية من خلال معرفة محتواه من العناصر الغذائية، إذ كشف تحليل عدد من عينات الكاكاو عن احتوائه على نسبة من الرطوبة تتراوح بين 0.9%-8.1%، وعلى نسبة من الرماد تتراوح بين 0.9%-7.3%، وعلى نسبة من الألياف تتراوح بين 3.1%-19.4%، كما يحتوي الكاكاو على نسبة من الكربوهيدرات تتراوح بين 8-54%، وعلى نسبة من البروتينات تتراوح بين 7.9-22.5% من الوزن الجاف لثمار الكاكاو، بينما تبلغ نسبة الدهون الموجودة على شكل زبدة في الكاكاو حوالي 33-62%،[4] وتتكون هذه الزبدة من مزيج من الأحماض الدهنية أحادية اللاتشبع (Monounsaturated fatty acids) والأحماض الدهنية المشبعة (Saturated fatty acids)، وكما هو الحال في زيت الزيتون، يُمثل حمض الأولييك (Oleic acid) الحمض الأكثر وفرة من الأحماض الدهنية أحادية اللاتشبع الموجودة في الكاكاو، بينما تتكون الأحماض الدهنية المشبعة في الكاكاو رئيسيًا من حمض البالماتيك (Palmitic acid) وحمض الستيريك (Stearic acid).[1]
تجدر الإشارة إلى أنه وعلى الرغم من أنّ قشرة ثمار الكاكاو ذات محتوى مرتفع من الألياف الغذائية التي أثبتت فعاليتها في تحسين النسبة بين البروتينات الدهنية الضارة (LDL) والبروتينات الدهنية النافعة (HDL) في جسم الإنسان، فإنّ العمليات التصنيعية التي تخضع لها ثمار الكاكاو تؤدي إلى فقدان جزء كبير من هذه الألياف.[1]
يمثل الكاكاو مصدرًا ثريًا بالمركبات عديدة الفينولات (Polyphenols)، كمركبات أنثوسيانين (Anthcyanidins)، أما الكاكاو الخام فيتباين محتوى هذه المركبات بين الأنواع المختلفة منه، كما تؤثر فيه العمليات التصنيعية المختلفة.[2]
أما تأثير الكاكاو في زيادة الوزن، فعلى الرغم من تصنيف الكاكاو على أنه من الأغذية التي تزيد من السمنة بفعل محتواه المُركز من السعرات الحرارية، فإنّ جملة من الدراسات العشوائية خلُصت إلى أنّ الاستهلاك المستمر لكميات قليلة من الكاكاو أو من الشوكولاتة الداكنة لم يؤدِ إلى زيادة في الوزن، في ذات الوقت أشارت إحدى الدراسات إلى أنّ تناول 25 غرام من الشوكولاتة الداكنة التي تحتوي على 125 سعر حراري يوميًا أدى إلى زيادة طفيفة في الوزن بعد ثلاثة أشهر.[1]
فوائد الكاكاو
تزايد طلب الناس على استهلاك الشوكولاتة في أنحاء العالم، وهذا بمعزلٍ عن أعمارهم أو خلفياتهم الاجتماعية، إذ إنّ للشوكولاتة العديد من الخواص العلاجية، كخواصها المضادة للأكسدة، والمضادة للالتهاب، والمضادة لنمو الكائنات الحية الدقيقة المُمرِضة، وغيرها،[4] من أبرز فوائد الكاكاو:
- فوائد الكاكاو في تحسين نوعية الحياة، وهل الكاكاو يرخي الأعصاب؟ في دراسة هدفت إلى قياس أثر الكاكاو في تحسين نوعية الحياة باستخدام عدة معايير وأبعاد كان من ضمنها قياس مستوى القلق والشعور بالاكتئاب، وأشارت النتائج إلى عدم وجود تأثير إيجابي ملحوظ في هذه الأبعاد النفسية.[2]
- فوائد شرب الكاكاو قبل النوم: كان مما أظهرته الدراسات حول العلاقة بين الكاكاو والنوم، هو أنّ تناول أنواع الشوكولاتة الغنية بمركبات الفلافانول (Flavanol) يُحسّن من أداء الذاكرة الذي قد يضعف نتيجة الحرمان من النوم.[4]
- فوائد الكاكاو للسكري، وهل الكاكاو يرفع السكر؟ استخلصت مجموعة من الدراسات التي بحثت في العلاقة بين الكاكاو والسكري، أنّ الكاكاو بمحتواه الغني من مركبات الفلافونول يُحسن من حالة مقاومة الإنسولين المُصاحبة لمتلازمة الأيض، كما أنه يقلل من سرعة تفاقم مرض السكري من النوع الثاني، وفي ذات الوقت أشارت نتائج دراسات أخرى إلى دور تناول الكاكاو الفعّال في الحد من أمراض القلب والشرايين التي تحدث كمضاعفات نتيجة الإصابة بمرض السكري.[1]
- فوائد الكاكاو للمرأة: في دراسة أجريت على مجموعة من الإناث لوحظ أنّ تناول الشوكولاتة أو استنشاق رائحتها يقلل من الشهية للطعام، ومن المعلوم بأن تدني معدل الشهية قد يؤدي إلى نقصان في الوزن.[1]
أضرار الكاكاو، وهل الكاكاو مضر للحامل؟
يرتبط تناول الأم الحامل للأطعمة ذات المحتوى العالي من المركبات عديدة الفينولات بزيادة خطر إصابة وليدها بمشكلة قلبية تُعرف باسم القناة الشريانية المفتوحة (Ductus arteriosus constriction (DAC))، وفي دراسة ركزت في البحث عن أضرار الكاكاو للنساء، أُجريت على مجموعة من الجرذان الحوامل ونُشرت في مجلة (Scientific reports) سنة 2021 لوحظ أنّ تناول هذه الفئران لجرعة مكثفة من الكاكاو بمحتواه المرتفع من المركبات عديدة الفينولات زاد من خطر إصابة المواليد بمشكلة القناة الشريانية المفتوحة، وقد خلصت الدراسة إلى أنه ينصح بتجنب المرأة في الفترة الأخيرة من الحمل تناول كميات كبيرة من الشوكولاتة، كما أوصت بضرورة إجراء دراسات سريرية على البشر لتحديد الجرعة الآمنة من الكاكاو والتي بمقدور الحامل تناولها.[5]