يُشار إلى المخدرات على أنها مواد كيميائية بمقدورها التأثير سلبًا في الجسم والوعي لدى مَن يتعاطوها، إذ تحفز الشعور بالنشوة ثم الإدمان الذي يدفع الشخص إلى استخدام العقار المخدر على الرغم من آثاره الضارة والخطيرة، وذلك بسبب استهداف تلك المواد لهرمون الدوبامين (Dopamine) في الدماغ، ومع الوقت يتحول الإدمان إلى سلوك قهري بالإضافة إلى حدوث تغييرات عصبية في الدماغ (التعود) الذي يدفع المدمن إلى زيادة الجرعة للحفاظ على شعور النشوة الذي يحصل عليهبعد تناول المخدرات.[1][2]
يُعرف إدمان المخدرات على أنه مرض مزمن تنكسي ناجم عن التأثير طويل الأمد للمواد المخدرة على الدماغ، إذ يتسبب هذا المرض بموت الملايين سنويًا حول العالم،[3] وعلى الرغم من أنّ السبب الرئيسي الذي يقف وراء الإصابة بإدمان المواد المخدرة غير واضح، إلّا أن وجود بعض عوامل الخطر قد يسهم في زيادة احتمالية الإدمان، مثل الاستعداد الجيني، أو التأثير السلبي من الأصدقاء المدمنين، عوامل نفسية كالقلق والاكتئاب وغيرها.[4]
لا يتوقف أثر المخدرات السلبي على الفرد وحده، بل يتعداه ليؤثر في المجتمع بأكمله، إذ تتلخص مخاطر إدمان المخدرات على المدى البعيد في التسبب بمشكلات صحية عديدة، مثل الأمراض المزمنة كالعدوى، والأمراض التنفسية، والأيضية، والقلبية، والنفسية، ومضاعفة تأثيرها السلبي على الفرد، بالإضافة إلى آثاره الاقتصادية الكارثية التي لا يتكبدها الفرد فقط بل تطال عائلته وأطفاله، وتشكل ضغطًا على الأنظمة الصحية والقضائية المَعنية بمحاكمة المجرمين وتجار المخدرات،[5][6] فما هو علاج إدمان المخدرات؟ وما هي كيفية التخلص من إدمان المخدرات؟
مراحل علاج إدمان المخدرات
تبدأ مراحل علاج إدمان المخدرات بمرحلة ما قبل التفكير (Precontemplation) وفيها لا يعرف المريض حجم مشكلته، يليها مرحلة التعرف على المشكلة وتحديدها (Contemplation) ولكن دون محاولة السيطرة عليها، ثم تبدأ مرحلة اتخاذ القرار (Preparation) التي يبحث فيها المريض عن مساعدة وحل لمشكلة إدمانه، وحينها فقط تبدأ عملية تطبيق الحلول (Action) حتى يصل إلى مرحلة الامتناع الكامل عن تناول المخدرات (Maintenance)، وقد يحدث الانتكاس (Relapse) خلال مرحلة الامتناع من وقت لآخر، لذا يبدأ المريض من جديد بمراحل العلاج مرة أخرى.[7]
تتنوع طرق علاج إدمان المخدرات المثبت نجاعتها سريريًا، مثل العلاج السلوكي (يشمل العلاج النفسي أو العلاج المعرفي)، أو العلاج الدوائي، أو مزيجًا منهما، إذ يختلف علاج مدمني المخدرات تبعًا لعوامل، مثل نوع المخدر ، وعدد مرات التعاطي، ودرجة الإدمان وشدته.[8]
العلاج الدوائي
ومن أشهر أدوية علاج إدمان المخدرات:
- تُستخدم مجموعة أدوية لعلاج إدمان الأفيون (Opioid)، مثل بيوبرينورفين (Buprenorphine)، أو ميثادون (Methadone)، أو نالتروكسون (Naltroxone) من أبرزالمواد الأفيونية، الهيروين (Heroin)، والكودايين (Codeine)، والفنتانيل (Fentanyl)، والمورفين (Morphine).[4][6]
- القنب (Cannabinoids) كالحشيش أو الماريجوانا (Marijuana)، فيمكن استخدام دواء علاج الإدمان درونابينول (Dronabinol) لعلاج الإدمان الناجم عن استخدام القنب.[2]
- المنشطات (Stimulants)، مثل الأمفيتامين (Amphetamine)، والميثامفيتامين (Methamphetamine) -الكرستال-، والكوكايين (Cocaine)، والفينثيلين (Fenethylline) -كبتاجون-، ومن الجدير بالذكر عدم موافقة إدارة الدواء والغذاء الأمريكية (FDA) على أي علاج دوائي لإدمان المنشطات، إلّا أن الدراسات والأبحاث أشارت إلى فعالة بعض الخيارات الدوائية في علاج إدمان المنشطات، ومنها توبيراميت (Topiramate)، والبوبروبيون (Bupropion)، ومودافينيل (Modafinil).[9]
العلاج التعويضي
يُعرّف العلاج التعويضي (Substitution therapy) على أنه تزويد المدمن تحت إشراف طبي بكمية مدروسة من مادة تشبه كيميائيًا المادة المخدرة التي يدمنها المريض، وتهدف هذه الخطوة من العلاج إلى مساعدة المدمنين على استعادة استقرارهم النفسي والسلوكي إلى حين إعدادهم للإستجابة لعلاجات التخلص من الإدمان للإقلاع كليًا عن المخدرات، بالإضافة إلى السماح للاختصاصيين بعلاج المشاكل التي قد تؤدي إلى الانتكاس وتناول المخدرات مرة أخرى، والتخفيف من الأعراض الانسحابية، لذا فهو أحد الخيارات الفعالة لمساعدة المدمنين الذين يواجهون صعوبة في الإقلاع عن الإدمان وتحمل الأعراض الانسحابية المصاحبة له.[10]
العلاج النفسي
يُعرف العلاج النفسي للإدمان (Psychotherapy) على أنه استخدام مجموعة من التقنيات لتعديل وتغيير السلوكيات التي أدت إلى الإدمان، بالإضافة إلى علاج المشاكل الأخرى التي سبقت الإدمان و التي أدت إليه من البداية،[11] وتجدر الإشارة إلى أنّ العلاج النفسي من أهم مراحل علاج الإدمان كونه يستهدف العوامل البيئية، والاجتماعية، والنفسية التي تدفع المدمن إلى المزيد من التعاطي، وهو أمرٌ لا يمكن للأدوية وحدها التخلص منه،[12] ومن أبرز أساليب العلاج النفسي للتخلص من الإدمان:
المقابلات التحفيزية (Motivational Interviewing)
تُعد المقابلات التحفيزية أحد أساليب العلاج النفسي التي تهدف إلى مساعدة المدمنين في الإقلاع عن إدمان المخدرات، خصوصًا وأنّ معظم مرضى الإدمان يرفضون الاعتراف بمشكلتهم نتيجة طبيعة المخدرات التي لا تجعل الإدمان جسديًا فقط بل نفسيًا أيضًا، وهنا تساعد المقابلات التحفيزية المرضى في التغلب على الشعور المتناقض الذي يعانون منه، إذ يحاول المدمن التخلص من إدمانه من جهة ولكنه يقاوم التغيير من جهة أخرى، ويتلخص دور المعالج النفسي في إجراء جلسة إلى أربع جلسات مع المريض لا تتجاوز مدتها ساعة واحدة، ويسلط فيها الضوء على عواقب مواصلة الإدمان والتأثير الإيجابي للإقلاع عنه، بالإضافة إلى مناقشة أهدافه المستقبلية وتأثير وضعه الحالي على تحقيق تلك الأهداف.[13][14]
العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive behavioral therapy (CBT))
يُستخدم العلاج المعرفي السلوكي في السيطرة على العديد من الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب، والقلق، بالإضافة إلى الإدمان على المخدرات، إذ يركز هذا العلاج على تغيير سلوكياته وتمكينه من اكتساب مهارات تساعده في الإقلاع عن الإدمان وتجنب التعاطي مرة أخرى،[12] وذلك من خلال توجيه المدمن إلى التركيز على فوائد وإيجابيات الإقلاع عن المخدرات وسلبيات الاستمرار فيه التي تؤدي إلى مشاكل عديدة، كما يساعد العلاج السلوكي المدمن في التعايش مع شعور الحاجة للتعاطي مرة أخرى وكيفية التصرف ف حالة انتكاسه.[15]
العلاج التحفيزي/ الإشراط أو التكيُّف الاستثابي (Contingency management)
يتلخص مبدأ هذا الأسلوب العلاجي في استخدام أسلوب العقاب والثواب لزيادة أو تقليل سلوك معين، إذ يركز في سياق علاج الإدمان على سلوك التعاطي والإقلاع عنه، فمثلًا يُعزز اختصاصي العلاج سلوك الإقلاع عن الإدمان لفترات طويلة من خلال إعطاء المريض هدايا أو فرص قيمة، وفي المقابل سلب تلك الامتيازات في حال عدم الالتزام بالهدف المتفق عليه.[16]
العلاج النفسي الديناميكي (Psychodynamic Therapy)
يُحلل العلاج النفسي الديناميكي الدوافع، والرغبات، والصراعات التي قد لا يعيها المريض جيدًا ولكنها دفعته نحو الإدمان، إذ تركز على تغيير استجابة المدمن للتوتر الذي قد يدفعه للإدمان كمحاولة منه للسيطرة على القلق، وبالتالي فإنّ تسليط الضوء على جميع تلك الأمور يزيد من وعي وفهم المدمن لمشكلته، ولكن تجدر الإشارة إلى أنّ هذا النوع من العلاج عادةً ما يستخدم كعلاج إضافي لأنواع أخرى من العلاج النفسي انطلاقًا من عدم جاهزية بعض المرضى المدمنين -النفسية والعاطفية- للخوض فيه، لذا يُنصح باستخدام أسلوب العلاج النفسي الديناميكي عندما تقف المشاكل المتعلقة بشخصية المدمن عائقًا أمام شفاؤه.[12]
العلاج بالدعم (Supportive Psychotherapy)
يهدف العلاج بالدعم إلى التخفيف من الأعراض، وتعزيز الثقة بالنفس، وتجنب اللجوء لآليات دفاعية نفسية مثل نكران المشكلة، وعادةً ما يلجأ إليه الاختصاصيون في الحالات التي يحتاج فيها مريض الإدمان إلى إستعادة توازن الذات، وذلك من خلال إجراء جلسات علاجية يتبادل فيها الاختصاصي أطراف الحديث مع مريض الإدمان دون انتقاده أو حتى محاولة تغيير سلوكياته الخارجة عن سيطرته.[12]
برنامج الإثني عشر خطوة (Mutual help groups)
يُعد برنامج الإثني عشر خطوة (12-Step groups) أو ما يُعرف بمجموعات الدعم المتبادل (Mutual Help Groups)، من أهم البرامج العلاجية للإدمان منذ عقود مضت، إذ يرتكز مبدأها على تبادل الدعم والمساعدة بين أفراد مجموعة يتشاركون ذات المشكلة -الإدمان-، بالإضافة إلى اعتراف الفرد لنفسه ولبقية أفراد مجموعته بخطر تعاطي المخدرات الذي يتسبب به لنفسه وللآخرين، وبأنّه يضعُف أمام تأثير المخدرات ويحتاج المساعدة للتغلب على الإدمان وأنه مرض تنكسي يمكن علاجه والسيطرة عليه لكن لا يوجد دواء يمكن تناوله للتخلص منه، إنمّا حله الوحيد بالامتناع الكلي والكامل عن تعاطي المخدرات.[12][17]
العلاج الأسري (Family therapy)
يساعد العلاج الأسري في الحصول على معلومات حول العوامل التي قد تساعد في الإقلاع عن إدمان المخدرات، وذلك من خلال تضمين عائلة المدمن في البرنامج العلاجي التي تقدم معلومات حول مدى التزام المدمن بعدم استخدام المخدرات، ومدى التزامه بالعلاج، ودرجة احتكاكه بأقرانه من المدمنين،[15] كما يهدف العلاج الأسري إلى تقديم المساعدة لجميع أفراد أسرة المدمن، فعلى الرغم من دورهم المهم في علاجه وتحمل نتائج سلوكياته الإدمانية، إلّا أنهم أيضًا يواجهون تحديات ومشاكل خاصة بهم تثقل كاهلهم، لذا يهدف العلاج الأسري للإدمان إلى مساعدة أفراد عائلة المدمن مما ينعكس إيجابًا على فعالية العلاج، وذلك من خلال تسليط الضوء على الترابط الذي تتميز به العلاقات الأسرية وكيف يمكن أن تؤثر في حياة الفرد المدمن.[18]
إعادة التأهيل
يُعرف إعادة التأهيل (Rehabilitation) على أنه عملية مطولة تشمل أنواعًا مختلفة من العلاجات الدوائية والنفسية المصممة لمساعدة الأشخاص الذين أقلعوا عن تعاطي المخدرات في الحفاظ على عدم تناولها مرةً أخرى، بالإضافة إلى مراقبة الأعراض الانسحابية والسلوكية التي قد تظهر عليهم، إذ تساعد برامج المصحة الأشخاص الذين أقلعوا عن التعاطي في السيطرة على سلوكياتهم وعدم الانتكاس مرة أخرى.[4][19]
وهنا تظهر أهمية زيارة مصحة علاج إدمان المخدرات، إذ يتبع مرور المدمن بمرحلة الإقلاع وتخلص جسمه من المخدرات (Detoxification) فترات يتخللها رغبة عارمة في استخدام المواد المخدرة مرة أخرى نتيجة تعرضه لمحفزات خارجية، مما يؤدي إلى انتكاسه مجددًا، لذا فأن الإقلاع عن المخدرات وحده دون اللجوء لبرامج إعادة التاهيل بعده ترتبط بمعدلات أعلى من الانتكاس.[19]
أسئلة شائعة
- كم مدة علاج مدمن المخدرات؟
لا توجد مدة علاج محددة للتخلص من إدمان المخدرات، بسبب اختلاف سرعة تحسن المصابين بالإدمان، كما تجدر الإشارة إلى أنّ الأبحاث تؤكد على أنّ التخلص من الإدمان مشروط بالحصول على العلاج لفترات كافية قد تزيد عن 90 يومًا.[8]
- كيف تعالج المدمن على المخدرات في المنزل؟
يُعد إدمان المخدرات من المشكلات المرَضية الخطيرة التي ليس من السهل علاجها، لذا يجب أن يشرف عليه مجموعة من الاختصاصيين المدربين.[4]
- ما هي أفضل وسيلة لمنع إدمان المخدرات؟
لا توجد طريقة معينة لمنع أو الوقاية من إدمان المخدرات، وذلك بسبب التنوع بين سكان المجتمعات المستهدفة وعوامل الخطر التي تزيد من احتمالية تعرض أفرادها للإدمان، ولكن يبقى تيقظ صناع القرار حول المشاكل السلوكية والنفسية التي قد يعاني منها اليافعون والعمل على التقليل منها والسيطرة عليها من أبرز طرق الوقاية من إدمان المخدرات، بالإضافة إلى إجراء تغييرات جذرية في البيئة المجتمعية أو العائلية أو المدرسية التي من شأنها الترويج للمخدرات بين الشباب، وإعداد برامج توعوية ضد إدمان المواد المخدرة.[1][20]
- كيف أتخلص من تعاطي المخدرات؟
يبدأ علاج إدمان المخدرات بإدراك المشكلة، يتبعه طلب مساعدة الاختصاصيين للبدء بمرحلة العلاج بإشرافهم.[4]
- ما هي صفات مدمن المخدرات؟
تظهر على الشخص الذي يدمن المخدرات مجموعة من الصفات، مثل قضاء الكثير من الوقت وحيدًا، وعدم استمرار علاقاته بالأصدقاء، وإهمال العناية بالنظافة الشخصية، والتقلبات المزاجية، ومواجهة مشاكل في العمل أو الدراسة أو العلاقات الشخصية والعائلية، بالإضافة إلى التعب والحزن، والإصابة باضطرابات النوم والطعام.[1]
- ما هي مخاطر إدمان المخدرات؟
تتسبب المخدرات على المدى البعيد في إصابة الفرد بمشكلات صحية مزمنة مثل العدوى، والأمراض التنفسية، والأيضية، والنفسية، عدا عن آثارها الاقتصادية الكارثية التي تدمر العائلات وتشكل ضغطًا على الأنظمة الصحية وإلى جانب الملاحقات القضائية للمدمنين وما يتصل بأفعالهم.[5][6]