نزيف الأنف أو ما يعرف بالرُعاف (Epistaxis) هو من أكثر الحالات الطارئة شيوعًا في طب الأنف والأذن والحنجرة. ويَحدث عند خروج الدم من فتحتي الأنف، أو من التجويف الأنفي، أو من البلعوم الأنفي. ويُصاب به نحو 60% من الأشخاص خلال حياتهم. وعلى الرغم من أنّه قد يَحدث في أي عمر، فإنّ ظهوره يزداد عادةً عند الأطفال حتى سن العاشرة، ولدى البالغين فوق سن الخمسين عامًا. وقد تتراوح شدته من نزيفٍ طفيف إلى شديد قد يُهدد الحياة. وفي أغلب الحالات يتوقف النزيف تلقائيًا، لكن نحو 6% من الحالات قد تحتاج إلى تدخلٍ طبيّ ودخول المستشفى، خصوصًا عند تكرار النزيف، ومعظمها سببه مجهول.[1][2]
وتتعدد الطرق المستخدمة لعلاج هذا النوع من المشكلات الصحية، ومنها علاج نزيف الأنف بالكيّ أو ما يُعرف بكيّ الأنف (Nasal Cauterization).[1]
ما هو كيّ الأنف ولماذا يُستخدم؟
يُعد كيّ الأنف والضمادات الأنفية من أبرز الطرق الأساسية لعلاج نزيف الأنف في الطوارئ. فقد أظهرت إحدى الدراسات العلمية أنّ نسبة 78- 88% من حالات النزيف عُولجت بنجاح باستخدام الكيّ فهو أكثر فاعلية من حشو الأنف أو سدادات الأنف كما أن مخاطره ومضاعفاته منخفضة. ويكون كيّ الأنف أكثر فائدةً عند التمكُّن من تحديد موقع النزيف بدقة.[1]
يُستخدم الكيّ عادةً بعد تجربة الطرق الأولية لإيقاف نزيف الأنف، مثل الضغط الخارجي (External pressure)، أو الضغط على الأنف، أو استخدام أدوية قابضة للأوعية الدموية الموضعية مثل أوكسيميتازولين (Oxymetazoline)، أو فينيليفرين (Phenylephrine)، أو إبينفرين/أدرينالين (Epinephrine). ويُطبَّق الكيّ عند فشل هذه الطرق البسيطة، وذلك لإغلاق الأوعية الدموية النازفة الموجودة تحت بطانة الأنف، خصوصًا إذا كان النزيف من الجزء الأمامي للأنف، وهو أكثر شيوعًا في ضفيرو كيسلباخ (Kiesselbach’s plexus) على الحاجز الأنفي، إذ تكون الأوعية الدموية سطحية ومعرضة للإصابة أو الجفاف.[1][2]
أمّا الحالات التي يكون فيها الحاجز الأنفي منحرفًا بشدة، أو تكون نقطة النزيف خلف النتوء الغضروفي، فيكون الكيّ عندها محدود الفاعلية، وغالبًا ما يُتبعُ بإجراء الحشو الأنفي لإيقاف النزيف.[2]
ما أنواع كيّ الأنف؟
تتعدد أنواع كيّ الانف بسبب الرعاف أو نزيف الأنف.[1] ومن أبرز هذه الأنواع:
- الكيّ الكيميائي (Chemical cauterization): تُستخدم بعض المواد الكيميائية لإجراء هذا النوع من الكيّ، وأبرزها نترات الفضة (Silver nitrate)؛ وهي مادة قوية تُسبب تجمعًا وتخثرًا في الأوعية الدموية النازفة عند وضعها على المنطقة المتأثرة، إضافةً إلى حمض الخليك الثلاثي الكلور (Trichloroacetic acid). وتُعد نترات الفضة أقل ضررًا على بطانة الأنف مقارنةً بغيرها، خصوصًا عند استخدامها لفترات قصيرة وبتركيزات مناسبة. وقد بيّنت إحدى الدراسات أنّ مدة ملامسة نترات الفضة للأنسجة تؤثِّر في عمق الكيّ؛ لذا يُوصى باستخدام تركيز 75% لمدة لا تتجاوز 20 ثانية للبالغين، و10 ثوانٍ للأطفال واستخدام تركيز 100% لكبار السن فوق الخمسين عامًا؛ مع الحرص على إحداث كيّ سطحيّ كافٍ لإيقاف النزيف دون إصابة الطبقات الأعمق، تجنُّبًا لمشكلات لاحقة كالالتهاب، أو الخراج، أو ثَّقب الحاجز الأنفي.[1][2]
- الكيّ الكهربائي (Electrocautery): يُعد أكثر فاعلية من الكيّ الكيميائي؛ إذ أظهرت إحدى الدراسات أنّ احتمال عودة نزيف الأنف بعد الكيّ الكهربائي أقل بكثير مقارنةً بالكيّ الكيميائي. ويُجرى عادةً باستخدام التخثير الكهربائي ثنائي القطب (Bipolar diathermy) مع شفط الدم أو الكيّ أحادي القطب مع الشفط (Suction monopolar cauterization).[1][3]
- كيّ الأنف باستخدام الميكروويف (Microwave Ablation): تُعد تقنية جديدة نسبيًا لعلاج نزيف الأنف، وقد أظهرت معدّلات نجاح عالية، كما تُسبب ألمًا أقل وأضرارًا نسيجيةً أقل مقارنةً بالكيّ الكهربائيّ ثنائيّ القطب على وجه الخصوص.[3]
كيف تُجرى عملية كيّ الأنف؟
تختلف طريقة كيّ الأنف باختلاف نوع الكيّ المتبع.[1] وتتمثل خطوات كيّ الأنف وفقًا لنوعه:
- تحديد نقطة النزيف، يتم التركيز على نقطة النزيف الظاهرة في المنطقة الأمامية للحاجز الأنفي، فإذا كان النزيف من أوعية دموية كبيرة أو خلف نتوء عظمي أو حاجز منحرف، قد لا يكون الكي وحده كافيًا، وقد يلزم الحشو بعد الكي.
- تخدير الأنف باستخدام أعواد قطنية مبللة بمزيج من فينيليفرين وليدوكائين 4% (Lidocaine) لمدة 10- 20 دقيقةً.
- وضع أعواد نترات الفضة أو أعواد قطنية مبللة بها على منطقة النزيف لمدة 5- 10 ثوانٍ ليتحول لون الغشاء المخاطي إلى اللون الرمادي، مع الحرص على عدم وضع محلول الكيّ الكيميائي لأكثر من 10 ثوان أو كيّ جانبي الغشاء الأنفي؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى ثَقب الحاجز الأنفي.
- الكيّ الكهربائي، تتضمن خطوات إجرائه:[3]
- وضع قطع قطنية مبللة بمخدر 1% ليدوكائين ومادة قابضة للنزيف (تقلل النزيف) بتركيز 0.1% إيبينيفرين (Epinephrine) في الأنف وعلى مناطق النزيف ثلاث مرات لمدة 5 دقائق لكل مرة.
- إجراء عملية كيّ الأنف بالمنظار باستخدام ملاقط ثنائية القطب بقوة كيّ تقارب 20 واطًا.
- كيّ نقاط النزيف من الطرف البعيد إلى الطرف القريب (Distal to proximal) للحصول على منطقة كيّ موحدة.
- الكيّ باستخدام الميكروويف، تتضمن خطوات إجرائه:[3]
- وضع قطع قطنية مبللة بمخدر 1% ليدوكائين ومادة تقلل النزيف 0.1% إيبينيفرين في الأنف وعلى مناطق النزيف ثلاث مرات لمدة 5 دقائق لكل مرة.
- وضع هوائي الميكروويف المُبرَّد بقوة 60 واطًا على الغشاء المخاطي للأنف أو على نقطة النزيف مباشرةً لمدة 1 إلى 3 ثوان فقط، ويمكن تكرار العملية على النقطة نفسها عند الحاجة.
أمّا كيّ الأنف للحامل، فقد أظهرت بعض الدراسات أنّه غالبًا ما يُلجأ إلى الكي الكهربائي ثنائي القطب بعد التأكد من عدم استجابة النزيف للعلاج أو الطرق الأولية البسيطة لإيقاف نزيف الأنف، مثل إعطاء حمض الترانيكساميك (Tranexamic acid) أو التعبئة الأنفية الأمامية (Anterior nasal packing).[4]
ما أبرز التعليمات بعد كيّ الأنف؟
بعد إجراء عملية كي الأنف للسيطرة على النزيف، يجب على المرضى اتباع مجموعة من التعليمات لتجنُّب تكراره، [5]ومن أبرزها:[5][6]
- استخدام بخاخ الأنف الملحي بانتظام للحفاظ على ترطيب ممرات الأنف ومنع جفافها.
- استخدام مرهم مضاد حيوي.
- تجنُّب ممارسة الأنشطة التي تتطلب مجهودًا لمدة 7- 10 أيام.
- تجنُّب استخدام مضادات الالتهاب غير السترويدية (Non-Steroidal Anti-Inflammatory Drugs (NSAIDs)) إن أمكن.
- تجنُّب العبث بالأنف بالأصابع.
- استخدام محلول أو رذاذ قابض للأوعية الدموية عند حدوث نزيف خفيف نتيجة سقوط القشرة الناتجة عن الكيّ.
- تجنُّب التعرض للمهيّجات مثل دخان التبغ، والروائح القوية، والمواد الكيميائية لأنها قد تُهيج ممرات الأنف وتزيد احتمالية عودة النزيف.
ما أضرار كي الأنف؟ وهل عملية كيّ الأنف خطيرة؟
قد يترتب على عملية كيّ الأنف بعض الأضرار أو المخاطر في بعض الحالات.[2][3] ومن أبرز اضرار كيّ الأنف بأنواعه المختلفة وفقًا لما بيّنته الدراسات العلمية:[2][3]
- مخاطر كيّ الأنف الكيميائي، تتضمن:
- ظهور بقعة بيضاء على بطانة الأنف، أو ألم متكرر، أو إحساس بالحرقة، أو تهيج وندبات في المنطقة المعالجة، خصوصًا عند استخدام نترات الفضة. ويُرجَّح أن يكون ذلك نتيجة تأثير الكيّ في الطبقات المحيطة بالغضروف.
- حدوث حروق بدرجات مختلفة؛ حرق سطحي جزئي، أو حرق أعمق يصل إلى تلف في جزء من الغشاء المخاطي، أو حرق كامل قد يمتد إلى الطبقة المحيطة بالغضروف، وذلك تبعًا لمدة وضع نترات الفضة وتركيزها.
- تلف الخلايا وتخثر الأوعية في المنطقة المعالجة في بعض الحالات.
- مخاطر كيّ الأنف الكهربائي، تشمل:
- تكوّن قشور سوداء على منطقة الكيّ خلال الأسبوع الأول بعد العلاج.
- زيادة إفراز الأنف (الرَشح) في بعض الحالات.
- تكوّن التصاقات في حالات نادرة.
- مخاطر الكيّ بالميكروويف، تتضمن:
- ظهور غشاء كاذب رمادي خفيف (Pseudomembrane) على المنطقة المعالجة بالميكروويف في بعض الحالات.
- زيادة سيلان الأنف، خصوصًا خلال الأسبوع الأول.
أسئلة شائعة:
1. كيف تتم عملية كيّ الأنف؟
تتمثل الخطوات المتبعة عادةً عند إجراء كيّ الأنف:[2][3]
- تحديد موقع النزيف بدقة.
- استخدام نوع الكيّ المناسب، سَواء الكيّ الكهربائي، أو الكيميائي، أو كيّ الأنف بالميكروويف.
2. هل كيّ الأنف مؤلم؟
وفقًا لإحدى الدراسات العلمية، تبيّن أن كيّ الأنف الكهربائي عادةً لا يُسبب ألمًا أو انزعاجًا ملحوظًا للمرضى، بينما قد يكون الكيّ الكيميائي مؤلمًا في بعض الحالات، لكن استخدام محلول بتركيز 75% من نترات الفضة مع مدة تماس قصيرة للأنسجة قد يُخفف الألم.[2][7]