تُعد الفطريات من الكائنات الحيّة الدقيقة أُحادية أو متعددة الخلية، ومنها ما يُسبّب العدوى الفطرية والمرض الذي يتفاوت في شدة الخطورة، فقد تكون عدوى موضعية جلدية أو سطحية؛[1] وتتركز في منطقة واحدة كالمهبل، أو الفم، أو الأظافر، ومنها ما قد يؤدي إلى عدوى جهازية (تنتقل عبر الدم)؛ كعدوى الرئتين، والعينين، والكبد، إذ غالبًا ما تتطوّر الالتهابات الفطرية ببطء، وتنشط لدى الأشخاص الذين يُعانون من مشاكل في المناعة -تناول أدوية مثبطة للمناعة، أو أدوية العلاج الكيميائي، أو مرضى الإيدز-، ومن أبرزها داء الرشاشيات (Aspergillosis)، وداء المبيضات (Candidiasis)، والفطار العفني (Mucormycosis)، وغالبًا ما يكون هذا النوع من الفطريات الانتهازية عدائي وينتشر إلى أعضاءٍ أُخرى ممّا يُهدد حياة المريض، لذا يُعدّ تشخيص الفطريات المبكر أمرًا بالغاً في الأهمية،[2][3] فما هو تحليل الفطريات؟
ما هو فحص الفطريات؟
يتضمن فحص الفطريات مجموعة من الفحوصات المخبرية يُطلق عليها اسم فحوصات الفطريات (Fungal tests)، التي تهدف للكشف عن العدوى الفطرية وتحديد نوعها لتأكيد التشخيص واختيار العلاج المناسب،[4] ويشمل فحص الفطريات عدة اختبارات شائعة،[2] لعل أبرزها:
الفحص المجهري المباشر
يُعد الفحص المجهري المباشر للعينات الخطوة الأولى للكشف عن الفطريات بغرض تحديد خصائصها وشكلها، وهو بمثابة تعريف أوّلي للعديد من الفطريات، ويتميّز بسرعته وفعاليته، إذ قد يستغرق بضع دقائق إلى ساعات، إضافةً إلى إمكانية إجراء بعض الفحوصات البيوكيميائية والاختبارات الجزيئية لتحديد نوع الفطريات، ممّا يسهم في اختيار الوسائط المُستخدمة لفحص زراعة الفطريات وتفسير نتائجها،[5] ومن أبرز هذه الاختبارات الجزيئية:[5][6]
- المسحة الجافة (Smeared dried)، التي تُجرى من خلال استخدام صبغات مُعينة كصبغة جرام (Gram stain)، أو صبغة الجيمزا (Gemza stain) وصبغة رايت (Wright stain) اللواتي يستخدمن للكشف عن الفطريات في عينات الدم أو نخاع العظم.
- المسحة الرطبة (Wet preparation)، تُجرى باستخدام محلول 10% من هيدروكسيد البوتاسيوم (KOH) وحده أو إلى جانب صبغة الفلورسنت البيضاء (CFW)، وتسمح المسحة الرطبة برؤية أفضل مع تحديد تركيب وشكل الفطر المُشتبه بهِ.
يلعب الفحص المجهري دورًا مُهمًا في تشخيص العدوى الفطرية وتحديد نوعها، وتعتمد حساسية الفحص على مصدر العينة ومهارة الفني وخبرة المختبر، أمّا العدوى الفطرية الغازية فيمكن فحصها وتشخيصها من خلال إجراء فحص الأنسجة (Histopathology) بأخذ خزعة من النسيج المُصاب، ومن أبرز الفطريات التي يمكن الكشف عنها من خلال الفحص المجهري المباشر الفطريات الرشاشية (Aspergillus spp)، وفطريات النوسجة المغمدة (H.capsulatum)، وفطر المبيضات (Candida spp)،[2][7] وغالبًا ما تُربط نتيجة الفحص المجهري بنتيجة فحص زراعة الفطريات.[7]
يتميّز الفحص المجهري بفائدة تشخيصية مهمة أكثر من إجراء فحص زراعة الفطريات وحده، إذ إنّ إمكانية استخدام الصبغات الفلورية أو التألقية (Fluorescent dye) تزيد من حساسية وسرعة الفحص أثناء الفحص المجهري، ويمكن من خلاله ملاحظة وجود أجزاء من الفطريات كرؤية أشكال الخميرة (Yeast)، أو الخيوط الفطرية (Hyphae) المقسّمة وغير المقسّمة، أو ملاحظة تصبّغ بعض المواقع الخلوية أو تراكيب فطرية معينة، ويُعد ذلك دليلًا على وجود العدوى الفطرية، بشرط أن تكون العينة الخاصة بالمريض أُخذت من موقع معقم في الجسم.[8]
فحص زراعة الفطريات
فحص زراعة الفطريات (Culture test) يُعدّ معيارًا ذهبيًا للكشف عن العدوى الفطرية، إلى جانب إمكانية إجراء اختبار الحساسية (Susceptibility testing)، وغالبًا ما يحتاج من 24 إلى 72 ساعة حتى تصدر النتيجة.[2]
تُجرى زراعة الفطريات في المختبر باستخدام عينة الدم، أو سوائل الجسم، أو سائل النخاع الشوكي (CSF)، أو أنسجة الجسم، أو إفرازات القصبات الرئوية، أو مسحة الأذن (Ear swab)، أو مسحة الحنجرة (Throat swab)، أو مسحة الأنف (Nasal swab)، أو عينة بول،[7] أو عينة البلغم (Sputum)،[2] ويُستحسن ضبط الحضانات التي توضع بداخلها الوسائط المزروعة ضمن درجة حرارة مُعينة، والانتظار الوقت اللازم لنمو الفطريات.[5]
يُجرى عقب الانتهاء من فحص زراعة الفطريات والحصول على نتيجة إيجابية اختبار الحساسية المضادة للفطريات (Antifungal susceptibility testing) الذي يُسهم في تحديد العلاج المُناسب والأكثر حساسية للتخلّص من عدوى الفطريات.[9]
فحص الفطريات في الدم
يكشف تحليل الفطريات في الدم عن وجود الأجسام المُضادة (Antibodies) - بروتينات ينتجها جهاز المناعة استجابةً للأجسام أو المواد الغريبة كالفطريات- أو المستضدات (Antigens) - جزيئات مواد غريبة تُحفّز الجسم على إحداث استجابة مناعية-، يُجرى فحص الفطريات في الدم إذا كان التشخيص غير واضح، إضافةً إلى أنّ الالتهابات الفطرية الجهازية تُشخّص غالبًا من خلال إجراء فحص الأجسام المضادة المصلية، فيمكن من خلال فحص الدم الكشف عن الأجسام المضادة للفطريات ثنائية الشكل كفطر النوسجة، إذ تُقدّر نسبة الكشف عنها لدى المصابين بحوالي 70% إلى 80%، وتُشير النتيجة الإيجابية إلى أنّ المريض مُصاب بعدوى فطرية حديثة أو نشطة، بالإضافة إلى إمكانية تحديد الأجسام المُضادة للفطريات من خلال عينة سائل النخاع الشوكي.[3][7]
فحص بيتا جلوكان B-D-glucan
أحد الفحوصات المناعية التي تُجرى باستخدام عينة الدم، وتُستخدم لدعم تشخيص الإصابة بالعدوى الفطرية الغازية (المنتشرة)، ويُعدّ (B-D-glucan) مُستضد فطري موجود في العديد من أنواع الفطريات تحديدًا في جدار الخلية الفطرية، وغالبًا ما يُجرى باستخدام عينة مصل الدم،[7][10] يوجد مستويات منخفضة من (B-D-glucan) في مصل الدم نظرًا لوجود الخمائر في الجهاز الهضمي، في المقابل ارتفاع مستوياتها يُشير إلى وجود عدوى فطرية غازية، إضافةً إلى ذلك فالنتيجة السلبية لا تستبعد العدوى الفطرية خصوصًا في حال اُجريت في وقت مبكر من الإصابة، والجدير بالذكر أنّ هذا النوع من الفحوصات غير مُحدّد ويجدر إجراؤه إلى جانب الفحص السريري والإجراءات التشخيصية الأُخرى للوصول للتشخيص النهائي.[5][7]
فحص التشخيص الجزيئي
تُستخدم فحوصات تسلسل الحمض النووي الرايبوزي (DNA) في حال عدم القدرة على تحديد خصائص الفطر وشكله ضمن الفحوصات التشخيصية التقليدية، ولم تجدي نفعًا أو تحقّق أي نتيجة تُسهم في الوصول إلى التشخيص، ونظرًا لأن فحص تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR) يُسهم في تحديد هوية العدوى الفطرية والتعرّف عليها فقد يكون مُفيدًا أيضًا في حال غياب الخلايا الحية (الأنسجة) للمرضى ما دام الحمض النووي متاحًا في عيناتهم.[2][5]
قد يلجأ الأطباء إلى إجراء تحليل الفطريات في البراز للكشف عن المبيضات في حال اشتباه إصابة المريض بمتلازمة المبيضات (Candida syndrome)، أو ظهور بعض الأعراض على المريض كانتفاخ البطن، وزيادة الشهية لتناول الحلويات، والصداع، وحكة الجلد.[11]
ما هي دواعي إجراء فحص الفطريات؟
يُجرى فحص الفطريات للكشف عن الإصابة بالعدوى الفطرية، وُيعد الكشف المبكر عن الإصابة بالعدوى الفطرية أمرًا هامًا لفعالية العلاج،[2] إلى جانب العديد من الأسباب الأُخرى:
- مراقبة المرضى المعرّضين لخطر الإصابة بالعدوى الفطرية الانتهازية؛ وهم المرضى الذين يتناولون أدوية مثبّطة للمناعة، أو العلاجات الكيميائية، أو مرضى الحالات الحرجة، ولمرضى الإيدز.[2]
- تشخيص داء المستخفيات (Cryptococcosis) باستخدام عينة مصل الدم عوضًا عن إجراء البزل القطني، كذلك التشخيص المبكر لداء النوسجات (Histoplasma) ومتابعة تطور العلاج باستخدام عينة البول، إضافةً للكشف عن داء حمى الصحراء أو الفطار الكرواني (Coccidioidomycosis) من خلال عينة المصل للمرضى غير القادرين على إعطاء عينة من البلغم.[2]
- تقييم فعالية العلاج للمرضى، أو مراقبة تكرار حدوث العدوى.[4]
- ظهور العديد من أعراض الالتهابات الفطرية التي تشبه العدوى الفيروسية، أو العدوى البكتيرية، مع عدم وضوح السبب،[4] ومن أبرز هذه الأعراض:
- أعراض جلدية؛ كظهور طفح جلدي أحمر مثير للحكة ومتقشّر، غالبًا ما يظهر في أجزاء الجسم المكشوفة مثل الرقبة والجذع، والأطراف.[12]
- أعراض العدوى الفطرية للغشاء المخاطي للفم مثل؛ ملاحظة تغير الطعم في الفم، وظهور لويحات أو طبقة بيضاء على اللسان.[13]
- أعراض التهاب الجيوب الأنفية الفطري، كالاحتقان، والصداع، والدوخة، وتورم وجحوظ العينين، والتقيؤ المتكرر، والحمّى، وتسارع ضربات القلب.[14]
- أعراض العدوى الفطرية في الأظافر، والتي قد تظهر على ظفر، وتشمل تغيّر شكل الأظافر وتفتت حوافها، وسماكة الأظافر، وظهور خطوط بيضاء أو صفراء على جانب الظفر.[15]
تحضيرات ما قبل فحص الفطريات
لا يحتاج فحص الفطريات إلى الصيام، ولا إلى أي تحضيرات مسبقة، في المقابل يُستحسن التواصل مع المختبر لتحديد أفضل وسيلة لأخذ العينات ونقلها ضمن الأوساط مناسبة.[5][7]
طريقة إجراء فحص الفطريات
تختلف طريقة جمع العينة وفقًا لمكان العدوى المُشتبه بها:[4]
- عينات العدوى السطحية التي تتضمن كل من الجلد، أو الأظافر، أو الشعر، أو المسحات المهبلية، أو الفم، يزوّد المريض بأداة خاصة لأخذ عينة صغيرة من الجزء المصاب، أو مسحة قطنية لجمع السوائل من الفم، أو المهبل أو التقرحات الجلدية.[4][16]
- عينة البول، يزوَّد المريض بعبوّة معقمة مُخصّصة لذلك، ويُزوّد الطبيب أو فنّي المختبر المريض بالتعليمات الواجب مراعاتها للحصول على عينة البول.[16]
- عينة البلغم، والتي تختلف كُليًا عن عينة اللعاب؛ وهو مخاط سميك يخرج من الرئتين عند السعال، ويجدر على المريض جمع عينة البلغم في العبوّة المُخصصّة وفقًا للتعليمات المُعطاة له.[16]
- عينة الدم، يمكن الكشف عن الفطريات في الدم من خلال سحب عينة الدم، ويجدر التحقّق بعد انتهاء سحب الدم من ظهور أي علامات عدوى موضع السحب، إذ إنّ غالبية المرضى الذين يُعانون من عدوى فطرية لديهم مناعة ضعيفة.[7]
الجدير بالذكر أنّ نتائج فحص زراعة الفطريات قد يحتاج صدورها ما يُقارب اليوم أو اليومين، وقد تمتد إلى بضعة أسابيع.[16]
نتائج فحص الفطريات
يُشير عدم العثور على الفطريات بالعينة إلى أنّ المريض غير مُصاب بالعدوى الفطرية، أو أنّه لم يُعثر على العدوى الفطرية في العينة المأخوذة،[4] سواءً في الفحص المجهري لصبغة جرام -يعبّر عن النتيجة ب (No fungus seen)- أو فحص زراعة الفطريات بعد مرور 24 يوم -يُعبّر عنها (No growth)-، وفي حال العثور على الفطريات في فحص الزراعة فهذا يُشير إلى إصابة المريض بالعدوى الفطرية، وغالبًا ما يُحدّد فحص الزراعة نوع العدوى الفطرية، وإلا فقد تحتاج إلى المزيد من الاختبارات لاستكمال التشخيص، إلى جانب إجراء فحص الحساسية المضادة لتحديد العلاج الفعّال،[7][16] أمّا فحص الفطريات في الدم فيمكن بيان النتائج المحتملة له كما هو موضّح في الجدول:[4][7]
نوع الفحص | النتيجة | التفسير |
الأجسام المضادة للفطريات (Antibodies) |
إيجابية (Positive) |
تُشير إلى وجود العدوى الفطرية وقد تعود إمّا لإصابة سابقة، أو إصابة حديثة، لذا يجب إعادة الفحص وفي حال ارتفاع تركيز الأجسام المضادة قد يُشير ذلك إلى إصابة حديثة أو نشطة. |
سلبية (Negative) |
لا يوجد أجسام مضادة، ولا احتمالية للعدوى الفطرية. | |
مستضد الفطريات |
إيجابية (Positive) |
تُشير إلى الإصابة بالعدوى الفطرية المُشتبه بها. |
فحص بيتا جلوكان B-D-glucan
|
أقل من 60 بيكوجرام/ ملليلتر |
سلبية (Negative) |
(60 - 79) بيكو جرام/ ملليلتر |
غير محدّدة | |
أكثر أو يساوي 80 بيكوجرام/ ملليلتر |
إيجابية (Positive) |