يقع البنكرياس خلف الصفاق (الجدار البطني الخلفي) بالقرب من الإثني عشر، وهو غدة مستطيلة الشكل، يتكوّن البنكرياس من الغدة الخارجية (الغدد الأنبوبية الخارجية الحلقية) المسؤولة عن إفراز الإنزيمات الهاضمة في الإثني عشر اللازمة لإتمام عملية الهضم؛[1][2] كاليباز (Lipase)، وأميليز (Amylase)، والتربسين (Trypsin)، والكيموتربسين (Chymotrypsin)، والغدة الصماء المسؤولة عن إفراز الهرمونات الضرورية كالإنسولين والجلوكاجون في الدورة الدموية، وبطبيعة الحال يؤدي تلف الخلايا المسؤولة عن إفراز إنزيمات البنكرياس إلى قصور البنكرياس الخارجي وعدم القدرة على إنتاج الإنزيمات، مما يُسبب مشاكل خطيرة تؤدي إلى سوء امتصاص العناصر الغذائية، ويصاحبها بعض المضاعفات، كالإسهال الشديد وفقدان الوزن،[2][3] كما يُلاحظ ارتفاع إنزيم الأميليز واللايباز لدى المرضى الذين يُعانون من التهاب البنكرياس المزمن (Chronic pancreatitis)، إذ يلجأ الطبيب لتشخيص مثل هذه المشاكل المرضية من خلال الفحص السريري والأعراض الظاهرة على المريض، إلى جانب إجراء بعض الفحوصات التشخيصية والفحوصات المخبرية كتحليل وظائف البنكرياس (Pancreatic function test)،[4] فما هو تحليل البنكرياس؟ وهل ارتفاع إنزيمات البنكرياس خطير؟
ما هو فحص إنزيمات البنكرياس؟
يُعرف فحص إنزيمات البنكرياس على أنّه مجموعة من الفحوصات التي تُقيّم الإفراز الفعلي لمنتجات الغدة الخارجية للبنكرياس من بيكربونات وإنزيمات، وتتضمن كل من الفحوصات المباشرة (Direct) أو الجراحية، التي تكشف عن الحالات المبكرة من التهاب البنكرياس المزمن، لكنها متاحة في عددٍ قليل من المراكز الطبية، والفحوصات غير المباشرة (Indirect) أو غير الجراحية، والتي تكشف عن العوامل الثانوية التي تؤدي إلى نقص إنزيمات البنكرياس كسوء امتصاص الدهون.[5][6]
فحص إنزيمات البنكرياس المباشر
تعدّ فحوصات وظائف البنكرياس المباشرة مفيدة لتقييم مرضى التهاب البنكرياس المزمن في المراحل الأولى، والتي لا تكشف عنها الاختبارات التشخيصية التصويرية،[5] وخلالها يخضع المريض إلى إجراء التنبيب المعدي الإثني عشر لجمع عصارة البنكرياس، وقياس مستوى العصارة والإنزيمات الهاضمة والبيكربونات في الإثني عشر قبل وبعد إعطاء المريض أحد المُحفزات، كهرمون كوليسيستوكينين (Cholecystokinin) عبر الوريد، وغالبًا ما تستغرق وقتًا طويلًا، وقد يشعر المريض أثناءها بعدم الارتياح،[5][7] وتعدّ الفحوصات المباشرة لإنزيمات البنكرياس باهظة الثمن،[3] من أبرزها:
- فحص تحفيز السكريتين (Secretin stimulation test)
يكشف فحص تحفيز السكريتين قدرة البنكرياس على الاستجابة لهرمون السكريتين بعد حقنه في وريد المريض، كما أنّه يُحدّد قدرة الخلايا القنوية (Ductal cells) على إفراز البيكربونات، لا سيّما أنّ الأمعاء الدقيقة تُفرز السكريتين في الحالة الطبيعية عند انتقال الطعام شبه المهضوم من المعدة إليها، فبعد حقن المريض بالسكريتين يُجمع السائل الموجود في الإثني عشر على مراحل، ثم يخضع لعدة فحوصات لمعرفة تركيز البيكربونات،[8][9] ويشار إلى أنّ فحص تحفيز السكرتين هو الاختبار الأكثر دقّة لتشخيص التهاب البنكرياس المزمن، وأنّ إنتاج البيكربونات هو المؤشر الأفضل للكشف عن المرض في المراحل المبكرة، ويتراوح حجم السائل الطبيعي من (1.50 - 5.7) ملليلتر/ كيلوغرام من وزن المريض، أمّا المستويات الطبيعية للبيكربونات (80 - 130) ملي مكافئ/ لتر .[6]
- فحص كوليسيستوكينين (Cholecystokinin)
يُستخدم كوليسيستوكينين أو بانكريوزيمين (Pancreozymin) سابقًا كمنشّط هرموني يُحفّز إفراز عصارة البنكرياس، ويُسهم في انقباض المرارة وتقييم وظيفتها، وتشخيص أمراض الأقنية الصفراوية، كما يقيّم قدرة الخلايا العنيبية في البنكرياس على إفراز الإنزيمات الهاضمة، ويُجرى بذات الطريقة المُستخدمة في فحص تحفيز السكريتين إلا أنّ المريض يحقن بالكوليسيستوكينين الصناعي عوضًا عن السيكريتين، ويشير المعامل القذفي للمرارة ((GBEF) Gallbladder ejection fraction) غير الطبيعي الذي يقل عن 35% إلى حدوث مشكلة في حركة العصارة الصفراوية، أو التهاب المرارة المزمن أو الحاد.[9][10]
الجدير بالذكر أنّ البعض من مراكز الأبحاث تُجري اختبارًا مشتركًا لفحص سكريتين وكوليسيستوكينين معًا (Secretin-CCK) لتقييم إفراز الخلايا العنيبية والخلايا القنوية في ذات الوقت، إضافةً إلى تقييم تركيز إنزيمات وعصارة البنكرياس والبيكربونات، ويُعطى خلاله كلًا من الهرمونين البديلين معًا.[9]
فحص إنزيمات البنكرياس غير المباشر
توصَف فحوصات وظائف البنكرياس غير المباشرة بـأنّها أقل دقةً في الكشف عن المراحل المبكرة من التهاب البنكرياس المزمن، وغالبًا ما تُجرى باستخدام عينات الدم والبراز،[5] للكشف عن التهاب البنكرياس المزمن في المراحل المتقدمة المصحوب بالإسهال الدّهني، ويعد من الفحوصات ذات التكلفة المنخفضة،[6] والمتاحة على نطاقٍ واسع، والتي لا تحتاج أي إجراءات جراحية،[5] من أبرزها:
- فحص البراز الدّهني (Fecal fat)
يُشَار لفحص البراز الدهني على أنّه المعيار الذهبي في الكشف عن الإسهال الدهني، إذ غالبًا ما يحدث الإسهال الدهني نتيجة ارتفاع نسبة الدهون في البراز، وقد يرتبط بالعديد من المشاكل المرضية، كمتلازمة الأمعاء القصيرة (Short-gut syndrome)، أو داء كرون (Crohn disease)، أو مشاكل سوء الهضم الناتجة عن انسداد القناة الصفراوية، أو انسداد قناة البنكرياس الثانوي بسبب الورم أو حصوات المرارة، لذا فهو غير دقيق في تقييم وظيفة البنكرياس، ويُشار إلى كمية الدهون في البراز التي تزيد عن 7 غرام/ يوم إلى أنها غير طبيعية، وقد تشير إلى الإصابة بأحد الاضطرابات الهضمية كداء كرون، وحساسية القمح (Celiac disease)، وغيرها من الأمراض.[7][11]
- فحص الإيلاستيز في البراز (Fecal elastase)
يُشار لفحص الإيلاستيز في البراز على أنّه أحد الفحوصات المناعية التي تقيس كمية إنزيم الإيلاستيز في عينة البراز العشوائية، والإيلاستيز أحد الإنزيمات الهاضمة التي يفرزها البنكرياس في الأمعاء الدقيقة والتي تُسهم في هضم الطعام، إذ من الطبيعي ظهور الإيلاستيز في البراز ما يُشير إلى فعالية وظيفة البنكرياس، أمّا انخفاضه أو انعدامه في البراز فيُشير إلى قصور البنكرياس وعدم قدرته على إفراز ما يكفي من الإيلاستيز والإنزيمات الهضمية الأُخرى،[6][12] والجدير بالذكر أن الفحص لا يتأثر بتناول المريض لمكملات إنزيمات البنكرياس.[7]
تُشير نتيجة الإيلاستيز في البراز التي تقل عن 100 ميكروجرام/ جرام من البراز إلى قصور البنكرياس الشديد، أمّا نتيجة الإيلاستيز في البراز الطبيعية فهي تزيد عن 200 ميكروجرام/ جرام من البراز، أمّا ما يتراوح ما بين (100 -200) ميكروجرام/ جرام من البراز فتُوصَف على أنّها نتيجة غير مُحدّدة.[6]
- فحص كيموتريبسين في البراز ( Fecal Chymotrypsin)
يُنتج البنكرياس إنزيم كيموتريبسين، وهو أحد إنزيمات الهضم التي تَنشَط في الأمعاء الدقيقة، إذ ترتبط المستويات المنخفضة من تركيز كيموتريبسين في عينة البراز بفشل البنكرياس.[13]
- فحص التربسين في الدم (Serum trypsin)
يُعرَف أيضًا بفحص مولد التربسين أو التربسينوجين (Trypsinogen)،[6] ويقيس مستوى إنزيم التربسينوجين في عينة الدم، وهو أحد إنزيمات البنكرياس اللازمة لإتمام عملية الهضم، إذ يتحوّل التربسينوجين إلى التربسين في الأمعاء الدقيقة ليُحوّل البروتينات إلى الأحماض الأمينية، يُسهم فحص التربسين في تشخيص التهاب البنكرياس المزمن، وتشير مستوياته المنخفضة إلى ضعف البنكرياس في أدائه لوظيفته.[11][14]
- فحص أميليز في الدم (Serum amylase)
يُفرز البنكرياس إنزيم الأميليز، وهو أحد إنزيمات الهضم المسؤولة عن هضم الكربوهيدرات، إذ يوجد في الحالة الطبيعية ضمن مستويات عالية في البنكرياس والغدد اللعابية، وغالبًا ما يُجرى فحص الأميليز والليباز إلى جانب بعض الفحوصات التشخيصية للتمييز بين التهاب البنكرياس والمشاكل المرَضية الأُخرى التي تحتاج إلى تدخلٍ جراحي سريع للمرضى الذين يُعانون من آلامٍ حادة في البطن،[15] وغالبًا ما يرتبط تحليل البنكرياس مرتفع في المصل (ليباز وأميليز والتربسين) بالإصابة بالتهابٍ حاد في البنكرياس.[11]
ما دواعي إجراء فحص إنزيمات البنكرياس؟
يُجرى فحص إنزيمات البنكرياس لتقييم التهاب البنكرياس المزمن في المراحل المبكرة، وذلك من خلال إجراء فحص إنزيمات البنكرياس الجراحي (المباشر)، كما أنّه يُجرى لتقييم المرضى الذين يعانون من الإسهال الدهني الناتج عن خلل في إفراز الغدد الصماء،[6] إضافةً إلى أنّه يُجرَى لتقييم وظيفة البنكرياس وتشخيص الإصابة بأمراض البنكرياس،[7] أو لتحديد سبب ظهور بعض الأعراض لدى المرضى كآلام البطن خصوصًا في الجزء العلوي التي غالبًا ما تتفاقم عند تناول الطعام، إلى جانب غازات البطن، وانتفاخ البطن، وسوء التغذية، والإسهال الدهني، والإعياء، وفقدان الوزن.[5]
ما مخاطر إجراء فحص إنزيمات البنكرياس؟
حقيقةً قد يكون هناك خطر طفيف عند إجراء فحص تحفيز السكريتين لحظة تمرير الأنبوب المستخدم في الفحص بأن يُمرّر عن طريق الخطأ عبر القصبة الهوائية إلى الرئتين بدلًا من أنّ يُمرّر عبر المريء إلى المعدة،[8] إلى جانب الشعور بعدم الراحة والحاجة إلى التقيؤ لحظة تمرير الأنبوب،[11] أمّا فحص كوليسيستوكينين فقد يرافقه بعض الألم في حال استخدام تقنية التصوير الومضاني الصفراوي (HIDA scan) أثناء الفحص، إلى جانب الحساسية، ومخاطر التعرّض للإشعاع، وظهور الكدمات أو التهاب الوريد موضع حقن الكوليسيستوكينين،[10] أمّا فحص إنزيمات البنكرياس في البراز كفحص الإيلاستيز فهو آمن على الإطلاق،[12] بينما غالبًا ما تتعلّق المخاطر المرافقة لفحص إنزيمات البنكرياس في الدم بعملية سحب الدم؛ كتعدد الوخز، وتكوّن الورم الدموي أو النزيف، والعدوى الموضعية.[14]
التحضيرات قبل إجراء فحص إنزيمات البنكرياس
يُطلب من المريض الصيام 12 ساعة قبل الخضوع لفحص تحفير السكريتين،[8] وأربع ساعات قبل الخضوع لفحص كوليسيستوكينين،[10] أمّا فحص البراز الدهني فيخضع فيه المريض لنظام غذائي معين غنيّ بالدهون (100 غرام من الدهون يوميًا) قبل 3 أيام من إجراء الفحص، كما على المريض التوقف عن تناول مكملات إنزيمات البنكرياس الفموية لمدة أسبوع قبل موعد إجراء الفحص، كذلك يجب التوقف عن تناول هذه المكملات قبل 5 أيام من موعد فحص كيموتريبسين لتأثيرها على دقة الفحص وإمكانيّة أن تشير إلى نتائج طبيعية خاطئة،[6][7] إضافةً إلى أنّه قد يُطلب من المريض الصيام لمدة 8 ساعات قبل إجراء فحص التربسين في الدم.[14]
طريقة إجراء فحص إنزيمات البنكرياس
يستعين الطبيب عند إجراء فحص إنزيمات البنكرياس المباشر (تحفيز السكريتين كوليسيستوكينين) بتقنية التنظير،[5] وغالبًا يستغرق ما يُقارب الساعتين،[11] من خلال عدة خطوات:
- يخضع المريض إلى التخدير الموضعي باستخدام رذاذ الحلق، ثمّ يُمرر الطبيب أنبوب التنظير المزدوج من خلال الأنف وصولًا إلى المعدة، بالاستعانة بالكشف الفلوري أو التنظير التألقي (Fluoroscopic)، بعدها يضع الطبيب التجويف البعيد للأنبوب داخل الأمعاء الدقيقة تحديدًا في الإثني عشر، والتجويف القريب من المعدة.[6][11]
- يُحقن المريض المريض بأحد المحفزات كالسكريتين عبر الوريد،[8] ثمّ تُجمع العينات من الإثني عشر على أربع مراحل كل 20 دقيقة، إذ يُحفّز السكريتين إفراز عصارة البنكرياس والكربونات، والكوليسيستوكينين يُحفّز اللايبيز والأميليز والتربسين والكيموتريبسين، ثمّ تُنقل العينات إلى المختبر لإجراء الفحوصات اللازمة التي من ضمنها تحديد الرقم الهيدروجيني (PH)، وقياس حجم عينة السائل، وتركيز كل من البيكربونات (Bicarbonate)، والأميليز فيه.[11]
أمّا فحص إنزيمات البنكرياس في البراز؛ فيُجرى فحص البراز الدهني من خلال عينة البراز العشوائية، أو تجميع عينة البراز لمدة 24 أو 48 أو 72 ساعة ليُعطي نتيجة أكثر دقّة، وعلى المريض إرسال العينة العشوائية فورًا إلى المختبر، وفي حالات تجميع عينات البراز من الضروري تدوين رقم العينة مع وقت وتاريخ تجميعها، وحفظها مبردة،[11] أمّا فحص كيموتريبسين والإيلاستيز في البراز فيجرى باستخدام عينة البراز العشوائية، لكن يُنصح المريض بجمع ثلاثة عينات عشوائية من البراز عند إجراء فحص كيموتريبسين.[6][7]
أخيرًا يُجرى فحص إنزيمات البنكرياس في الدم كالتربسين من خلال سحب عينة الدم من الوريد في الذراع.[14]
هل ارتفاع إنزيمات البنكرياس خطير؟
يُشير تحليل البنكرياس مرتفع إلى الإصابة بالتهاب البنكرياس الحاد (Acute pancreatitis)، أمّا انخفاض إنزيمات البنكرياس فترتبط نتائجه بالإصابة بالذرب البطني (Sprue)، أو التليّف الكيسي (Cystic fibrosis)، أو التهاب البنكرياس المزمن.[11]