تشوهات الكلى التكوينية (Congenital anomalies of the kidney) أو ما قد يُعرف بتشوهات الكلى عند الجنين هي مشكلة صحية ناتجة عن اضطرابات في تطور الكلى خلال مرحلة تكوّن الجنين. وتُعد السبب الأكثر شيوعًا للفشل الكلوي لدى الأطفال في جميع أنحاء العالم. إذ تُمثِّل حوالي 20- 50% من مجمل عيوب الولادة، بمعدل انتشار يتراوح بين 4 و60 حالة لكل 10,000 ولادة حية.[1][2]
ما هي تشوهات الكلى التكوينية؟
تشوهات الكلى التكوينية تَحدث نتيجة اضطرابات أثناء تكوّن الكلى والمسالك البولية لدى الجنين؛ والذي يبدأ تكوينها في الأسبوع الخامس من الحمل. إذ يتفاعل البرعم الحالبي (Ureteric bud) مع النسيج الجنيني الذي ينمو ليُكوّن الكلية (Metanephric mesenchyme). وأي خلل في هذه العملية قد يؤدي إلى تشوهات تكوينية مختلفة في الكلى.[3]
كما تتكون الوحدات الكلوية والقنوات البولية تدريجيًا حتى الأسبوع 36. ويبدأ الجنين بإنتاج البول حوالي الأسبوع 11، ويُشكِّل هذا البول جزءًا كبيرًا من السائل الأمينوسي بين الأسبوعين 16 و20. وأي توقف أو خلل في هذه المراحل قد يؤدي إلى تشوهات في الكلى. ومن الجدير بالذكر أنّه كلما حدث الخلل في مرحلة مبكرة من تطور الكلى ونموها، كانت التشوهات أكثر شدةً.[1]
متى تظهر تشوهات الكلى عند الجنين في السونار؟
وفقًا للدراسات فإنّ الكلى عند الجنين تَظهر ويُمكن رصدها عبر السونار عادةً بدءًا من الأسبوع 20 من الحمل.[4]
ما أنواع تشوهات الكلى التكوينية؟
قد تحدث تشوهات الكلى التكوينية في أي مرحلة من مراحل نمو الكلى أثناء الحمل.[1] ومن أبرز هذه التشوهات:
- غياب الكلى عند الجنين (Renal agenesis): أي عدم وجود كلية واحدة أو كلتيهما. ويكون عادةً دون أعراض ويُكتشف بالصدفة، في حين أنّ الغياب الثنائي للكليتين يؤدي إلى نقص شديد في السائل الأمينوسي وفقدان الجنين أو المولود حديثًا. وغالبًا ما يترافق هذا الخلل مع غياب الحالب في الجهة نفسها. وفي حالة غياب الكلية التكويني من جانب واحد (Unilateral renal agenesis)، لا تتكون إحدى الكليتين من الأساس، ويجب أن تكون الكلية المتبقية بحجم طبيعي أو أكبر من الطبيعي للتكيّف وتعويض وظيفة الكليتين.[1][5]
- داء الكلى متعدد الكيسات (Multicystic dysplastic kidney): أي أنّ الكلية تحتوي على عدد من الأكياس (تجاويف مملوءة بالسوائل تتكون داخل نسيج الكلية) غير المتصلة ببعضها، مع وجود نسيج كلوي قليل أو معدوم، مما يؤدي إلى ضعف الكلية أو فقدان وظيفتها.[1][5]
- ازدواج الكلية ونظام التجميع (Duplication of the kidney and/or collecting system): يَحدث عندما يتكوّن أكثر من برعم حالب واحد أثناء نمو الكلية.[1]
- خلل التنسُّج الكلوي (Renal dysplasia): يَحدث عندما لا تتكوّن الوحدات الكلوية طبيعيًا. ويتسم بتشوه بنية الكلية، ووجود أكياس صغيرة، وكبيبات وأنابيب كلوية غير مكتملة. وغالبًا ما يُكتشف عبر التصوير بالموجات فوق الصوتية. وقد يؤدي إلى زيادة التبول، وفقدان الكهارل أو الشوارد، وضعف وظيفة الكلية، وفي بعض الحالات يرتبط بارتجاع البول من المثانة إلى الحالب.[1]
- نقص التنسُّج أو النمو الكلوي (Hypoplasia): يَحدث عندما تتكوّن الوحدات الكلوية طبيعيًا لكن بعدد قليل، مما يؤدي إلى تكون كلية بحجم أصغر من الحجم الطبيعي، مما يُقلل قدرتها على تصفية البول، والتجميع، والإخراج.[1][2]
- تكيس الكلى عند الجنين (Renal cysts): يُقصد به وجود كيس واحد داخل الكلية، بينما تبدو الكلية طبيعية من الخارج. وغالبًا ما يُكتشف خلال التصوير بالموجات فوق الصوتية قبل الولادة. وهذا الكيس عادةً ما يكون حميدًا أي قد لا يحتاج إلى علاج تكيس الكلى عند الجنين؛ وقد يختفي تلقائيًا أو يبقى دون أن يؤدي إلى أي أعراض. ومع ذلك، وقد تتطور لاحقًا بعض هذه الحالات إلى أمراض مثل الكلية متعددة الكيسات أو ضمور الكلية، مما يعكس تغيرًا حقيقيًا في بنية الكلية.[6]
- وجود الكلية في غير مكانها الطبيعي أو الكلية المنتبذة (Ectopic Kidney): في هذه الحالة تكون إحدى الكليتين أو كلاهما في مكان غير طبيعي، وغالبًا في الحوض. والكلية المنتبذة عادةً ما تكون صغيرة الحجم، وقد تقل كفاءتها عن المعتاد.[2][5]
- الكلى الحذوية (Horseshoe kidneys): من التشوهات التكوينية التي تلتحم فيها الكليتان من الطرف السفلي. ويُعتقد أنّ سبب هذه الحالة هو هجرة غير طبيعية لخلايا تكوين الكلى أثناء التطور الجنيني.[2][5]
ما سبب تشوهات الكلى التكوينية؟
على الرغم من أنّ السبب الدقيق لتشوهات الكلى التكوينية لا يزال غير معروف تمامًا.[5] فإنّ بعض الدراسات تُشير إلى وجود مجموعة من العوامل الوراثية، والبيئية، والتشريحية التي قد تُسهم في حدوثها.[1][3]
ومن أبرز أسباب تكيس الكلى عند الجنين أو الأسباب التي تؤدي إلى تشوهات كلوية أخرى:[1][3]
- طفرات في الجينات المسؤولة عن تكوّن الكلى طبيعيًا: وُجد أن عددًا من الجينات يؤثِّر في تكوين الكلى والمسالك البولية. وقد تشمل هذه الطفرات تغييرات جينية كبيرة مثل حذف أو تكرار أجزاء من الحمض النووي (DNA).
- تغيرات في البيئة داخل الرحم للأم أو الجنين، وتتضمن:
- السمنة لدى الأم: تُعد من أكثر العوامل المرتبطة بتشوّهات الكلى، ويُعتقد أنّ السبب يعود إلى ارتفاع سكر الدم، وزيادة الالتهابات، والتأثير في اتزان هرمونات الحمل الستيرويدية.
- سوء التغذية لدى الأم أو قصور المشيمة.
- السكري قبل الحمل أو سكري الحمل: لم يُثبت تأثيره إلى الآن ولكن يُعتقد أنّ ظهوره المبكر قد يؤثِّر في تطوّر الكلى، بينما الظهور المتأخر قد يؤثِّر فقط في عدد الوحدات الوظيفية داخل الكلية.
- تناول المشروبات الكحولية أثناء الحمل.
- نقص حمض الفوليك لدى الأم.
- استخدام بعض الأدوية، مثل مثبطات الإنزيم المحول للأنجيوتنسين (Angiotensin-Converting Enzyme inhibitors (ACE inhibitors)) ومضادات مستقبلات الأنجيوتنسين (Angiotensin II Receptor Blockers (ARBs)) التي تؤدي إلى نقص تنسج الكلى، خصوصًا عند تناولها في الثلث الثاني والثالث من الحمل، إذ يكون نمو الوحدات الكلوية في أعلى مستوياته في هذه المرحلة.
- انسداد في الجهاز البولي أثناء نمو الجنين: قد ينشأ نتيجة عيوب تشريحية مثل الصمام الإحليلي الخلفي (Posterior urethral valves (PUV))، أو نتيجة مشكلات في تكوّن العضلات أو الأعصاب التي تتحكم في الجهاز البولي.
ما أعراض تشوهات الكلى التكوينية؟
تختلف أعراض مشاكل الكلى عند حديثي الولادة باختلاف توقيت حدوث الخلل أثناء التطور الجنيني، ومدى تأثير الطفرات الجينية، وشدة الانسداد الذي قد يُعيق النمو الطبيعي للكلية -في حال وجوده-.[1]
وتتباين الأعراض بدرجةٍ كبيرة حسب نوع التشوه، فقد تكون طفيفةً وغير ملحوظةً أحيانًا أو شديدة ومهددة للحياة في أحيان أخرى.[7] ومن أبرز الأعراض المرتبطة بتشوهات الكلى التكوينية:[5]
- قلة السائل الأمينوسي (Oligohydramnios).
- ملاحظات غير طبيعية في السونار مثل:
- توسع الحوض الكلوي.
- تشخيص الكلى الحذوية.
- اكتشاف الكلى متعددة الكيسات.
كيفية تشخيص تشوهات الكلى التكوينية
أسهم التقدم في الفحوصات قبل الولادة إلى حدٍ كبير في اكتشاف العديد من تشوهات الكلى التكوينية في وقتٍ مبكر. ويُعد التصوير الكلوي من طرق تشخيص هذا النوع من المشكلات.[1]
تُشخَّص تشوهات الكلى التكوينية باستخدام عدة اختبارات تشخيصية،[1] من أهمها:
- الفحص بالموجات فوق الصوتية (Ultrasonography)، يُستخدم للكشف الأولي عن التشوهات وقد يُجرى قبل الولادة أو بعدها:[1][5]
- قبل الولادة: يُستخدم للكشف عن استسقاء الكلية الجنيني (Prenatal hydronephrosis) وهو علامةً شائعةً على وجود تشوه كلوي، ويُعد هذا أحد استخداماته.
- بعد الولادة: يُجرى تصوير الكلى بالموجات فوق الصوتية بعد أول 48 ساعة من الولادة لدى الأطفال الذين ظهرت لديهم توسعات في الحوض الكلوي أثناء الحمل. ويمكن من خلاله الكشف عن مشكلات إضافية مثل تضيّق مفصل الحوض الحالبي، وارتجاع البول من المثانة إلى الحالب، والكلية المزدوجة، والحالب المتوسّع، والصمامات الإحليلية الخلفية (Posterior urethral valves (PUV)).
- التصوير بالرنين المغناطيسي (Magnetic Resonance Imaging (MRI)): يُستخدم كاختبار تأكيدي في الحالات غير الواضحة، مثل تحديد موقع الكلية غير الظاهرة.[5]
- تصوير المثانة والإحليل الإفراغي (Voiding Cystourethrogram (VCUG)): يُستخدم عادةً لتشخيص حالة ارتجاع البول من المثانة إلى الحالب.[5]
- مسح الكلى بحمض الديمركابتوسكسينيك (Dimercaptosuccinic Acid Renal Scan): يُستخدم لتقييم وجود ندبات كلوية ناتجة عن التهابات متكررة أو ارتجاع البول.[5]
- الاختبارات الوراثية، تتضمن:[7]
- بزل السلى (Amniocentesis) أو أخذ عينة من الزغابات المشيمية (Chorionic villous sampling (CVS)): تُجرى في حال اكتشاف وجود التشوهات.
- تحليل النمط النووي (Karyotype) وتحليل المصفوفات الدقيقة للكروموسومات (Chromosomal microarray analysis (CMA))، للكشف عن أي خلل كروموسومي.
- تحليل الإكسوم الكامل (Whole Exome Sequencing (WES)): يُستخدم إذا لم تَظهر نتائج محددة أو حاسمة عند إجراء فحص الكروموسومات.
هل يمكن علاج تشوهات الكلى التكوينية؟
قد تختلف طرق علاج تشوهات الكلى التكوينية باختلاف نوع التشوه.[5] ومن أبرز هذه الطرق:
- علاج داء الكلى متعدد الكيسات: قد لا يحتاج تدخل جراحي إذا كانت كانت الكلية السليمة تعمل طبيعيًا؛ ويُكتفى حينها بالمتابعة الدورية. أمّا إذا ظهرت أعراض كتضخم الكلية أو تأثير في التنفس أو التغذية فقد يُلجأ إلى الاستئصال الجراحي.[8]
- علاج الكلية الحذوية: معظم المرضى لا يعانون من أعراض ولا يحتاجون إلى تدخل طبي. أما في حال ظهور حصى الكلى فيُعالج ذلك تبعًا لحجم الحصوة وموقعها. وتُعالج التهابات المسالك البولية بالمضادات الحيوية المناسبة. وفي الحالات الشديدة والمعقدة قد يلزم التدخل الجراحي.[9]
- علاج الكلية المنتبذة: قد يحتاج بعض المرضى إلى تدخل جراحي.[10] وتتضمن الإجراءات الجراحية الشائعة:[10]
- استئصال الكلية (Nephrectomy).
- رأب الحويضة أو ترميم حويضة الكلية (Pyeloplasty).
- إعادة زرع الحالب (Ureteric reimplantation).
- علاج غياب الكلى: في حالة غياب الكليتين التكويني ثنائي الجانب تُعالج الحالة قبل الولادة عن طريق الحقن المتكرر للسائل الأمينوسي، يليه البدء بالغسيل الكلوي بعد الولادة.[11]
ما مضاعفات تشوهات الكلى التكوينية؟
قد تؤدي تشوهات الكلى التكوينية إلى مضاعفات تؤثِّر في وظائف الكلى، وتشمل هذه المضاعفات عدة مشكلات صحية،[1] من أبرزها:[1][5]
- وجود البروتين في البول.
- ارتفاع ضغط الدم.
- انخفاض معدل الترشيح الكبيبي (Glomerular filtration rate (GFR)).
- الإصابة بمرض الكلى المزمن.
- الفشل الكلوي.
- التهابات بولية متكررة.
- ندبات في الكلية.
- ظهور كتلة في البطن.
- ألم في البطن أو الخاصرة.
- تكوّن حصى في الكلى.
هل يمكن الوقاية من تشوهات الكلى التكوينية؟
لا يمكن الوقاية كاملًا من تشوهات الكلى التكوينية لكن توجد مجموعة من الإجراءات التي قد تُسهم في تقليل المضاعفات ومنع تفاقم الحالة.[1] ومن أهم هذه الإجراءات:[1]
- تحديد مستوى خطورة الحالة بدقة.
- تقديم الرعاية في عيادات متعددة التخصصات تجمع بين أطباء الكلى، وجراحي المسالك البولية، واختصاصي التغذية.
- السيطرة على ضغط الدم.
- توفير الدعم النفسي للمريض.
- الاهتمام بالتغذية السليمة والمتابعة الدورية مع اختصاصي التغذية.
أسئلة شائعة
1. هل تشوه الكلى خطير؟
نعم قد يكون تشوه الكلى خطيرًا؛ إذ يُعد السبب الأكثر شيوعًا للفشل الكلوي عند الأطفال في جميع أنحاء العالم. وقد يؤدي إلى مضاعفات طويلة الأمد مثل البيلة البروتينية وارتفاع ضغط الدم.[1]
2. ما هي التشوهات الخلقية في الكلى؟
التشوهات الخلقية في الكلى هي مجموعة من الاضطرابات التي تَنشأ نتيجة خلل في تكوين الكلى أثناء نمو الجنين.[5] وتتضمن هذه المشكلات:[5]
- اضطرابات في تطور الجهاز البولي السفلي.
- مشكلات في نظام جمع البول.
- مشكلات في موقع الكلى أثناء تكوينها.
- نمو غير طبيعي لنسيج الكلى.
3. هل العيوب الخلقية لها علاج؟
قد يصعب في كثير من الحالات إزالة العيوب التكوينية في الكلى والمسالك البولية أو تصحيحها تصحيحًا تامًا، إلَّا أنّ التشخيص المبكر، والفحوصات الوراثية، والمتابعة الطبية، والعلاج السريري قد يُحسِّن إلى حدٍ كبير من توقعات سير المرض وجودة الحياة لدى المرضى المصابين.[5]