يُعدُّ مرض متلازمة جوبيرت (Joubert syndrome) أحد الاضطرابات العصبية الوراثية النادرة؛ إذ يُقدَّر معدل الإصابة به بين 1 من كل 80000 إلى 1 من كل 100000 حالة ولادة، وكانت أول من وصفته هي الطبيبة ماري جوبيرت (Marie Joubert) عام 1969،[1] ويؤثر المرض في العديد من أجزاء الجسم، وتختلف أعراضه من شخص إلى آخر، كما أنها تختلف بين أفراد العائلة الواحدة.[2]
ما هي متلازمة جوبيرت؟
تُعد متلازمة جوبرت مرضًا وراثيًا نادرًا يرافقه مجموعةٌ من الأعراض ذات الصلة بالجهاز العصبي تحديدًا، مثل ارتخاء العضلات، والترنح، والحركة غير الطبيعية للعين، والتأخر في النمو، والإعاقة الذهنية، وخلل في التنفس،[3] ويتميّز بوجود تشوهات في المخيخ وجذع الدماغ التي تظهر على شكل ضرس (Molar tooth sign) أثناء التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) للمخ.[4]
أسباب متلازمة جوبيرت
تحدُث متلازمة جوبيرت نتيجة ظهور طفرات في أكثر من 27 جينًا -وقد تصل إلى أكثر من 30 جينًا كما ذُكر في بعض المراجع-، جميع هذه الجينات تتوسّط إنتاج بروتينات تلعب دورًا أساسيًا في البناء الخلوي للأهداب الأولية (Primary cilia) في خلايا الدماغ، وهي نتوءات صغيرة تشبه الأصابع تظهر على سطح الخلايا وتعمل كمستشعرات للإشارات الحسية، والكيميائية، والميكانيكية من البيئة المحيطة، التي يترجمها الدماغ للسمع، والبصر، والشم، كما أنَّ لها وظائف مهمّة في العديد من الخلايا، منها خلايا الدماغ وبعض خلايا الكبد والكُلى لأنها تسهم في بنيتها، ونظرًا للدور الهام لتلك العضيات في العديد من العمليات فإنَّ اختلالها يسبب الإصابة بمجموعة من الأمراض، يطلق عليها أمراض الاعتلال الهدبي (Ciliopathies).[2][5]
أعراض متلازمة جوبيرت
يُعد مرض متلازمة جوبيرت اضطرابًا يؤثر في العديد من أجهزة الجسم المختلفة،[4] لكن تُعدُّ علامة الضرس (Molar tooth sign) السمة المميزة له،[6] كما تترافق متلازمة جوبيرت مع عدة أعراض أخرى:[2][7]
- اختلال التوتر العضلي (Hypotonia).
- تأخر النمو.
- اضطرابات في التنفس، إمّا بتسارع التنفس (Tachypnea) أو انقطاعه (Apnea) وعادةً ما تتحسن مع التقدم في العمر.
- اضطراب في حركة العين.
- الترنح الجذعي (Truncal ataxia).
- تأخر في اكتساب المهارات الحركية.
- إعاقة ذهنية تتراوح درجتها بين البسيطة والشديدة.
- ظهور سماتٍ معينة على الوجه مثل الجبهة العريضة، وتقوس الحاجب، والعيون المتباعدة (Hypertelorism)، وتدلِّي الجفون، وانخفاض مستوى الأذنين، والفم مثلث الشكل.
أعراض أخرى لمتلازمة جوبيرت:
- ضمور الشبكية.
- أمراض الكلى.
- كولوبوما (ثلامة) العين (Ocular colobomas).
- القيلة الدماغية القذالية (Occipital encephalocele).
- تليُّف الكبد.
- تعدد الأصابع (Polydactyly).
درجات متلازمة جوبيرت
ينتمي مرض متلازمة جوبيرت إلى مجموعة من الأمراض يُطلق عليها أمراض الاعتلال الهدبي (Ciliopathies)، وينقسم إلى عدة مجموعات بناءً على درجة تأثيره على الجهاز العصبي المركزي ،[4][6] كما تختلف باختلاف العضو المتضرر:[4][6]
متلازمة جوبيرت النقيّة أو التقليدية (Classic/Pure JS)
تتميز متلازمة جوبيرت النقيّة بثلاثة أعراضٍ رئيسة، هي تَعذُّر الأداء الحركي للعين (Oculomotor apraxia)، والاضرابات التنفسية، وتعدُّد الأصابع (Polydactyly)، بالإضافة إلى اختلال التوتر العضلي، والترنح، والإعاقة الذهنية، مع غياب المشاكل في الشبكية، أو الكبد، أو الكُلى، ولم يرتبط هذا النوع مع جين رئيسي، ولكنه ارتبط بوجود طفرات في عدّة جينات.
متلازمة جوبيرت مع عيب بصري (JS-O)
يُصاحب هذا النوع من المتلازمة الإصابة باعتلال شبكية العين ممَّا يؤدي إلى الإصابة بالعمى، أو بالتهاب الشبكية الصباغي (Retinitis pigmentosa) مع تَنَكُّس الشبكية، وقد سبق أن أشارت الدراسات إلى ارتباط الجينات الثلاثة AHI1، وARL3، وCEP290 مع الإصابة بمرض جوبيرت المُصاحب لضمور الشبكية في 24-32% من المصابين، كما يُمثِّل التحور في الجين AHI1 ما نسبته 20% من الحالات.
متلازمة جوبيرت مع عيب كُلَوي (JS-R)
يظهر هذا النوع في صورتين إحداهما ضمور الكُلى (Nephronophthisis) (NPHP) وهو التهاب الكُلى الخلالي النبيبي المزمن، والآخر الكُلى الكيسية (cystic kidney) الذي يُرافقه ضمور في الكلى (Kidney atrophy) وتندُبها، وتُعدُّ الطفرات التي تحدث للجينات NPHP1 وRPGRIP1L هي الأكثر شيوعًا.
متلازمة جوبيرت مع عيب بصري كُلَوي (متلازمة سينير لوكن) (Senior-Loken syndrome) (JS-OR)
يرتبط هذا النوع بطفرات جينية عديدة، ويُعد مزيجًا من متلازمة جوبيرت مع عيب بصري ومتلازمة جوبيرت مع عيب كلوي، وتُمثِّل الطفرات التي تحدُث للجين CEP290 ما نسبته 50% من الحالات.
متلازمة جوبيرت مع عيب كبدي (JS-H)
يُطلق على هذا النوع أيضًا اسم متلازمة ميكل (Meckel syndrome)، أو متلازمة كوتش (COACH syndrome)، وتحدث أكثر من 70% من الحالات نتيجة طفرات في جين TMEM67، يُصاحبه تليُّف الكبد الخلقي مع تشوهات الأقنية، بالإضافة إلى الخلل الوظيفي للأهداب، ويترافق هذا النوع مع ارتفاع ضغط الدم البابي، وارتفاع إنزيمات الكبد، وقلة الصفيحات الدموية (Thrombocytopenia)، ونزيف الدوالي المريئية مع التهاب الغدد الصفراوية المتكرر.
متلازمة جوبيرت مع عيوب في الفم، والأصابع، والوجه (JS-OFD)
يُصاحب هذا النوع وجود الشفة الأرنبية والحنك المشقوق والأخدود الوسطي في اللسان، وأورام اللسان واللَّثة، وتباعد العينين، وتعدُّد أصابع الأيدي والأقدام، ويرتبط هذا النوع بحدوث طفرات في جين TMEM216، كما يُمكن أن يرتبط بوجود أورام في منطقة تحت المهاد (Hypothalamic hamartoma)، أو عدم تكوّن الغدة النخامية.
متلازمة جوبيرت مع سمات أكروكالوسال (Acrocallosal)
يتميز هذا النوع بوجود خلل في الجسم الثفني (Corpus callosum)، وهو الجسم الذي يربط نصفي الكرة المخية، وقد سبق وأن أظهر التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) خلل في تكوّن الجسم الثفني لدى حوالي 80% من المصابين بمتلازمة جوبيرت.
متلازمة جوبيرت مع متلازمة جون (خلل التنسُّج الصدري الخانق) (Juene asphyxiating dystrophy)
تظهر على المريض المُصاب بهذا النوع عدة أعراض وسمات جسدية مثل ضيق القفص الصدري، وقصر طول الضلوع، وقِصَر القامة، وتعدُّد الأصابع، وقِصَر العظام الأنبوبية.
تشخيص متلازمة جوبيرت
يُشخَّص مرض متلازمة جوبيرت وفقًا لثلاثة معايير:[4]
- علامة الضرس (MTS) التي تظهر في التصوير بالرنين المغناطيسي للدماغ.
- اختلال التوتر العضلي والترنح في الأطفال.
- تأخر النمو، والإعاقة الذهنية.
علاج متلازمة جوبيرت
يلجأ الأطباء للرعاية التلطيفية للسيطرة على أعراض متلازمة جوبيرت،[8] وفيما يلي مجموعة من العلاجات المساعدة للتخفيف من بعض الأعراض:[6][7]
اضطراب التنفس
يتميَّز مرض متلازمة جوبيرت باضطرابات تنفسية خاصة لدى الأطفال حديثي الولادة؛ لذلك يجب مراقبة انقطاع التنفس لديهم، كما يمكن استخدام العلاجات المنشطة مثل الكافيين (Caffeine) أو العلاج بالأكسجين، أمَّا في حالة القصور الشديد في الجهاز التنفسي، فقد يلجأ الطبيب إلى التنفس الميكانيكي (الصناعي)، أو ربما يلجأ لعمل فغر في القصبة الهوائية.
اختلال التوتر العضلي
يمكن انتهاج أساليب معينة للسيطرة على نقص توتر العضلات لدى الأطفال، كالاستعانة بمتخصص في علاج النطق لتحسين مهارات الكلام للأطفال الذين يعانون من اختلال في عضلات الفم والفك (Oromotor dysfunction)، واستخدام أنابيب التغذية الأنفية المعديَّة، أو أنابيب الفغر المعديَّة لتغذية الأطفال المصابين بعسر البلع الشديد، مع إجراء الاختبارات العصبية الدورية، بالإضافة إلى التقييم التربوي الفردي ودعم الأطفال لتحقيق أفضل قدر من التحصيل الدراسي.
اختلالات الجهاز العصبي
يلزم استشارة طبيب جراحة الأعصاب في حالات اختلالات الجهاز العصبي مثل إصابة الطفل باستسقاء الدماغ (Hydrocephalus)، الذي نادرًا ما يحتاج إلى إجراء تحويلة للسائل المتراكم، أمّأ في حالة الإصابة بالقيلة الدماغية فقد يُلجأ إلى إجراء إغلاق جراحي لها، كما توصف بعض الأدوية العصبية المضادة للنوبات وبعض الأدوية النفسية لعلاج المضاعفات السلوكية.
أمراض العيون
يمكن استخدام العدسات التصحيحية لإصلاح مشاكل الإبصار كالأخطاء الانكسارية، كما قد يلجأ الطبيب إلى الجراحة في حالة تدلي الجفون أو الحَوَل، أو في حالة العمى الخلقي، أو ضمور الشبكية التدريجي.
أمراض الكلى
غالبًا ما يتطلب الفشل الكلوي الناجم عن الإصابة بضمور الكلية الخضوع إلى غسل الكلى باستمرار أو اللجوء إلى زراعة كلية جديدة، وذلك خلال سنوات المراهقة أو ما بعدها، كما تحتاج مضاعفات المرحلة الأخيرة من مرض الكلى من ارتفاعٍ في ضغط الدم وفقر الدم إلى علاجات محددة.
تليُّف الكبد
يجب المتابعة مع طبيب أمراض الجهاز الهضمي الذي قد يلجأ للجراحة في حالات دوالي المريء، أو ارتفاع الضغط البابي، كما قد يحتاج البعض لزراعة الكبد.
أمراض العظام
يلزم التدخل الجراحي لعلاج تعدد الأصابع والجنف (Scoliosis).
متلازمة جوبيرت والحمل
يُعد إجراء التصوير بالموجات الفوق صوتية أثناء الحمل أمرًا ضروري في حالات الحمل المعرَّضة للخطر؛ إذ يسمح التصوير باكتشاف نقص تنسُّج الدودة المخيخية، والقيلة الدماغية القذالية، بالإضافة إلى الكشف عن تعدد الأصابع، كما يُعد التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) للجنين أفضل الطرق للكشف عن تشوهات الحفرة الخلفية للدماغ (Posterior fossa)، واكتشاف المرض قبل الأسبوع الرابع والعشرين من الحمل، أمَّا في حالة إنجاب الزوجين طفل مصاب بالمرض من قبل، فإنَّ احتماليَّة إنجاب طفل آخر مصاب هي واحد لكل أربع ولادات، وفي هذه الحالة تؤخَذ عينات من الزغابات المشيمية خلال الأسبوع الحادي عشر من الحمل تقريبًا، للكشف المبكِّر عن المرض.[6]
معدلات الوفاة لدى مرضى متلازمة جوبيرت
ما زالت معدلات الوفاة بمرض متلازمة جوبيرت حتى الآن قيد الدراسة، وكان من نتائج الدراسة التي نُشرَت عام 2017 في مجلة (American journal of medical genetics) أنَّ متوسط عمر الوفاة لدى المرضى الذين أُجريت عليهم الدراسة هو 7.2 سنوات، وكان فشل الجهاز التنفسي المسبِّب الرئيس للوفاة بنسبة 35% في الأطفال دون 6 سنوات، أمَّا لدى المرضى الأكبر عمرًا فكان الفشل الكُلَوي السبب الأكثر شيوعًا للوفاة، بنسبة بلغت 37.5%.[9]