اعتمد تشخيص العضال الغدي سابقًا على نتائج التحليل النسيجي للعينة المأخوذة من الرحم، الأمر الذي وقف عائقًا أمام إمكانية تحديد معدل حدوث المرض وانتشاره بدقة بين النساء، وعلى الرغم من عدم وضوح معدلات انتشار العضال الغدي، فإنّ عددًا من البيانات الحديثة تُشير إلى احتمالية انتشار العضال الغدي بمعدل يتراوح بين 20-35% تقريبًا.[1][2]
ما هو العضال الغدي؟
يُعد العضال الغدي أو العضال الغدي الرحمي (Adenomyosis) أحد الاضطرابات الشائعة التي تؤثر في الرحم، والتي تتميز بحدوث حالة غير طبيعية تظهر فيها الغدد الرحمية (Endometrial glands) والستروما (Stroma) في الطبقة العضلية من جدار الرحم بدلًا من وجودها في بطانة الرحم، وهو ما يثير حدوث فرط التنسج (Hyperplasia) والتضخم (Hypertrophy) في خلايا العضلات الملساء في الطبقة العضلية للرحم، وفي هذه الحالة يتضخم الرحم ويزداد حجمه بمقدار الضعف أو الثلاثة أضعاف مقارنةً بحجمه الطبيعي، لكن عادةً لا يتجاوز حجم الرحم في الأسبوع 12 من الحمل.[3][4]
تجدر الإشارة إلى أنّ مرض العضال الغدي وصفه عالم الأمراض الألماني كارل فون روكيتانسكي (Carl von Rokitansky) في عام 1860 ميلادي للمرة الأولى، وقد أُطلق عليه حينها اسم "ساركومة كيسية لحمية رحمية" (Cystosarcoma adenoids uterinum)، وذلك اعتمادًا على التشريح النسيجي للمرض.[2]
أسباب العضال الغدي
لم تُعرف الأسباب المباشرة للإصابة بالعضال الغدي، ومع ذلك وضع العلماء نظريات عدة تفسر سبب حدوثه، كأن يكون العضال الغدي ناجمًا عن حدوث اضطراب في الحدود الواقعة بين أعمق طبقة في بطانة الرحم والطبقة العضلية في جدار الرحم التي تقبع أسفل منها.[2]
عمومًا، قد تؤثر بعض العوامل في خطورة الإصابة بالعضال الغدي:[1][2]
- العمر، إذ لوحظ بأنّ معظم حالات العضال الغدي التي تستدعي الخضوع لاستئصال الرحم تصيب النساء في سن الثلاثين والأربعين ممن سبق لهنّ الإنجاب مراتٍ عدة.
- استخدام دواء تاموكسيفين (Tamoxifen) لعلاج سرطان الثدي.
- تكرار الإنجاب.
- بدء الحيض لدى المرأة في سن مبكر.
- ارتفاع مؤشر كتلة الجسم (BMI).
- استخدام أقراص منع الحمل.
- الحمل خارج الرحم (Ectopic pregnancy).
- التدخين.
- الخضوع لجراحة في الرحم سابقًا، مثل العملية القيصرية، وتوسيع وكحت الرحم (تنظيف الرحم) (Dilation and curettage)، واستئصال الورم الليفي (Myomectomy).
أعراض العضال الغدي
قد لا يصاحب العضال الغدي ظهور أي أعراض على المريضة، إذ لوحظ بأنّ امرأة واحدة بين كل ثلاثة نساء مصابات بالعضال الغدي لا تعاني من أعراضٍ مصاحبة له، ولكن من المحتمل أن يصاحب العضال الغدي ظهور عدد من الأعراض الواضحة في بعض الحالات،[5] ومن هذه الأعراض:
- غزارة دم الحيض، وهو من أكثر أعراض العضال الغدي شيوعًا.[5]
- العقم.[5]
- ألم الحوض.[5]
- عسر الطمث (Dysmenorrhea)، والذي قد يصاحبه الإصابة بالغثيان، أو الإسهال، أو الإمساك، أو انتفاخ البطن، إلى جانب التقيؤ وعسر الهضم، وفي بعض الحالات تعاني المرأة المصابة بعسر الطمث أيضًا من الصداع، والدوار، وألم أسفل الظهر.[6][7]
- عسر الجماع (Dyspareunia)، الذي يُعرّف على أنّه الألم الذي يؤثر في الأعضاء التناسلية قبل الجماع، أو أثناء الجماع، أو بعده.[6][8]
العضال الغدي هل يتحول إلى سرطان؟
يُعد العضال الغدي من أمراض الرحم الحميدة، حاله حال الانتباذ البطاني الرحمي -بطانة الرحم المهاجرة- (Endometriosis)، ومع ذلك أشارت إحدى المراجعات التي نُشرت في مجلة (International Journal of Environmental Research and Public Health) عام 2022 ميلادي إلى أنّ العضال الغدي قد يكون عاملًا من العوامل التي قد ترفع احتمالية الإصابة بأورام بطانة الرحم أو عضل الرحم، وأنّه من المحتمل تحول العضال الغدي من مشكلةٍ حميدة لمشكلةٍ سرطانية خبيثة، غير أنّ تحوله لورمٍ سرطاني ليس مفهومًا تمامًا، وقد أكدت هذه المراجعة على أنّ الكشف عن وجود مشكلة العضال الغدي بالتزامن مع الإصابة بسرطان الرحم قد لا يعني بالضرورة أنّ العضال الغدي قد تحول إلى سرطان، وإنّما قد يكون مرتبطًا باشتراك كِلا المشكلتين بعوامل خطورة معينة تزيد من احتمالية الإصابة بهما، ولكن لا بُدّ من إجراء مزيد من الدراسات واسعة النطاق لبحث خطورة تحول العضال الغدي إلى سرطان خبيث.[9]
ومن جانبٍ آخر، توصلت دراسة أخرى نُشرت في مجلة (Plos one) في عام 2018 ميلادي إلى أنّ النساء اللواتي يعانين من العضال الغدي يكُنّ أكثر عُرضةً لخطورة الإصابة بسرطان بطانة الرحم وسرطان الغدة الدرقية.[10]
العضال الغدي والحمل
قد تزداد احتمالية الإصابة بالعضال الغدي في حالة تكرار الحمل والولادة،[1] وقد يعود ذلك إلى عدة أسباب:
- قد يسمح الحمل للبؤر العضلية الغدية بالنشوء في عضلات الرحم بسبب الطبيعة الاجتياحية للأرومات المغذية (Trophoblasts) على امتداد ألياف الطبقة العضلية في جدار الرحم، وتُعرف الأرومة المغذية بأنّها الخلية الطلائية في المشيمة، والتي تلعب دورًا أساسيًا في دعم نمو الجنين وتطوره أثناء الحمل.[1][11]
- يُصاحب الحمل حدوث تذبذب هرموني في جسم المرأة طوال فترة الحمل الذي قد يساعد على تسهيل تكوّن البؤر العضلية الغدية.[6]
قد يؤثر العضال الغدي في القدرة على الإنجاب، لذلك يُعد العقم أحد المضاعفات المحتمل ظهورها في حالات الإصابة بالعضال الغدي، كذلك قد يؤثر العضال الغدي في سلامة الحمل، إذ إنّه قد يزيد من خطورة حدوث عدد من المشكلات المرتبطة بالحمل، كالولادة المبكرة (Preterm birth)، وتمزق الأغشية المبكر، والخضوع للعملية القيصرية، ونقصان حجم الجنين عن الحد الطبيعي نسبةً لسن الحمل، ونزيف ما بعد الولادة، وحدوث الإجهاض في الثلث الثاني من الحمل، وحدوث مشكلة ما قبل تسمم الحمل (Preeclampsia)، وسوء تموضع المشيمة، وقد يؤثر نوع العضال الغدي في احتمالية حدوث مضاعفات الحمل، كزيادة خطورة ارتفاع ضغط الدم المرتبط بالحمل، وخطورة الإصابة بعدوى الرحم.[12]
كما أشارت دراسة نُشرت في مجلة (Reproductive Sciences) عام 2022 ميلادي إلى أنّ النساء اللواتي يعانين العقم إلى جانب مشكلة العضال الغدي ويخضعن لعملية أطفال الأنابيب بهدف زيادة فرصة الحمل والإنجاب يواجهن مشكلة انخفاض معدل المواليد الأحياء وانخفاض نسبة نجاح الحمل واستمراره بنسبة أكبر مقارنةً بالنساء اللواتي لا يعانين من مشكلة العضال الغدي.[13]
تشخيص العضال الغدي
يوصى بضرورة تشخيص العضال الغدي في حالة ظهور أعراض مختلفة تُصاحب عادةً حالات العضال الغدي مع استبعاد الإصابة بأمراض نسائية أخرى، كذلك عندما يُكشف عن وجود تضخم في الرحم أثناء فحص الحوض مع استبعاد الإصابة بالانتباذ البطاني الرحمي أو الأورام الليفية الرحمية.[4][14]
قد تُستخدم في هذه الحالات طرق مختلفة لتشخيص الإصابة بالعضال الغدي، كالتصوير بالموجات فوق الصوتية (ألتراساوند) عبر المهبل (Transvaginal ultrasonography)، والتصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) لتمييز العضال الغدي عن أورام الرحم الأخرى، ومع ذلك يمكن تأكيد الإصابة بالعضال الغدي فقط لدى فحص النسيج بعد الخضوع لاستئصال الرحم.[4][14]
علاج العضال الغدي الرحمي
لا تحتاج معظم النساء لعلاج العضال الغدي الرحمي، ولكن قد تستدعي بعض الحالات اللجوء للعلاج بهدف تخفيف أعراض المشكلة لدى ظهورها،[14] ومن طرق العلاج المستخدمة في حالات الإصابة بالعضال الغدي:
- موانع الحمل الفموية التي تحتوي على هرمونيّ الإستروجين (Estrogen) والبروجستين (Progestin)، وعلى الرغم من أنّها قد تُستخدم لمحاولة علاج بعض حالات العضال الغدي، فإنّها عادةً لا تكون ناجحة في السيطرة على المشكلة.[4]
- اللولب الرحمي الذي يحتوي على تركيبة ليفونورجيستريل (Levonorgestrel)، فهو قد يساعد في التحكم بالنزيف وعسر الطمث الذي تعانيه المرأة في حالة إصابتها بالعضال الغدي.[4]
- المسكنات للسيطرة على الألم، مثل ايبوبروفين (Ibuprofen)، ونابروكسين (Naproxen).[14]
- بعض الإجراءات الطبية الأقل حاجة للتدخل الجراحي، إذ تتوفر مجموعة من الإجراءات الطبية التي قد تُفيد في الحالات التي لا تُظهر فيها المرأة استجابة تجاه العلاج الدوائي المُستخدم، ولديها رغبة في الإنجاب لاحقًا،[2] ومن هذه الإجراءات:[2]
- الموجات فوق الصوتية عالية الكثافة (High-Intensity Ultrasound) بهدف الاجتثاث الحراري (Thermal ablation).
- إصمام الشريان الرحمي (Uterine artery embolization) لتقليل تدفق الدم إلى الرحم، والذي يترتب عليه تحفيز حدوث التنخر (Necrosis)، وتقليل الحجم الكلي للرحم.
- استئصال الورم الليفي الرحمي (Uterine myomectomy)، واستئصال الرحم الجزئي، ولكن قد تزداد احتمالية حدوث بعض المخاطر في الحمل المستقبلي لدى الخضوع لهذه الإجراءات الطبية بسبب تغير التركيب التشريحي للرحم.
- كي بطانة الرحم (Endometrial ablation)، والذي قد يؤخذ بعين الاعتبار في حالة عدم الرغبة في الإنجاب لاحقًا، ولكن قد يكون من الصعب استهداف البؤر العضلية الغدية العميقة باستخدام كي بطانة الرحم بسبب تركيز العلاج على الأجزاء السطحية في الرحم.[2]
- استئصال الرحم (Hysterectomy) في الحالات التي تعاني من أعراض العضال الغدي الشديدة، ويُعد استئصال الرحم العلاج الوحيد المُستخدم للسيطرة على الأعراض المصاحبة للعضال الغدي نهائيًّا، ومع ذلك فهو لا يندرج ضمن خيارات العلاج المطروحة في حالة الرغبة بالحمل والإنجاب لاحقًا، أو في حالة عدم انطباق شروط الخضوع للجراحة على المريضة لسببٍ أو لآخر.[6][14]