مرض دارييه (Darier-White disease) (Darier disease (DD)) والذي كان يُعرف سابقًا باسم التقرن الجريبي (Keratosis follicularis) اضطراب جلدي نادر يُورَّث بنمط سائد، ويَظهر المرض عادةً على هيئة بثور خشنة أو نتوءات على الجلد، وغالبًا ما تترافق مع خطوط طويلة حمراء في الأظافر، وعلى الرغم من أنّ مرض دارييه وراثي، فإنّ بعض المرضى قد لا يكون لديهم تاريخ عائلي واضح للإصابة، وهذا نتيجة التفاوت في شدة ظهور الأعراض بين أفراد العائلة.[1][2]
اكتُشف مرض دارييه لأول مرة عام 1889 ميلادي من الطبيبين دارييه (Darier) ووايت (White)، وقد لاحظ وايت العلاقة الوراثية للمرض بعد أن رأى حالة أم وابنتها تعانيان من الأعراض نفسها.[3]
ما هو مرض دارييه؟
مرض داريير (DD) اضطراب جلدي وراثي نادر يَحدث نتيجة خلل في أحد الجينات، ويؤثِّر في توازن البكتيريا الطبيعية الموجودة على سطح الجلد، إذ تزداد نسبة البكتيريا الضارة وتقل نسبة البكتيريا النافعة، مما يُسهم في حدوث التهابات جلدية وظهور رائحة كريهة، وقد تشير بعض أنواع البكتيريا إلى مدى شدة المرض، وغالبًا ما تبدأ أعراض مرض داريير بين عمر 6 و20 عامًا، وتكون أكثر وضوحًا بداية مرحلة البلوغ.[1][4]
يوجد نوعان من التغيرات الجلدية في مرض دارييه، نتيجة وجود نوعين من الفسيفساء الجينية أو التنوع الجيني في الأمراض الوراثية السائدة،[1] ويتمثل هذان النوعان:[1][5]
- النوع الأول: يَحدث نتيجة طفرة جينية بعد تكوّن البويضة الملقحة، مما يؤدي إلى وجود بعض الخلايا المصابة وأخرى سليمة، ويَظهر الطفح الجلدي في هذه الحالة في جهة واحدة من الجسم، ويبدو الجلد متباينًا بوضوح بين المناطق المصابة والسليمة في المظهر والملمس.
- النوع الثاني: يَحدث نتيجة طفرة في الخلايا الجنسية، مما يؤدي إلى وجود الخلل الجيني في جميع خلايا الجسم منذ المراحل المبكرة لتكوّن الجنين، ثم تَظهر تحورات جينية إضافية عند انقسام بعض الخلايا، مما يعني أنّها ستحمل طفرتين جينيتين، مما يؤدي إلى ظهور طفح جلدي أشد في مناطق معينة، بينما تكون شدة الأعراض أقل في مناطق أخرى.
لا يقتصر تأثير مرض دارييه على الجلد فقط، فقد أظهرت بعض الدراسات وجود ارتباط محتمل بين هذا المرض وكل من مرض السكري النوع الأول، وفشل القلب، وبعض الاضطرابات العصبية والنفسية، مثل الإعاقة العقلية، والاكتئاب، واضطراب ثنائي القطب.[1][2]
ما سبب مرض دارييه؟
يَحدث اضطراب داريير نتيجة طفرات أو تغيرات في جين (ATP2A2)، وهو الجين المسؤول عن إنتاج مضخة تتحكم في حركة عنصر الكالسيوم داخل جزء من الخلية يُسمى الشبكة الإندوبلازمية (Endoplasmic Reticulum)، إذ تُسهم هذه المضخة في نقل الكالسيوم إلى داخل الشبكة، ويُعد الكالسيوم ضروريًا لتنظيم وظيفة خلايا الجلد، فعند حدوث خلل في هذه المضخة نتيجة الطفرة الجينية، يختل توازن الكالسيوم داخل الخلية، مما يؤدي إلى ضعف تماسك خلايا الجلد، وموتها المبرمج، ونتيجة لهذا، تتراكم خلايا جلدية ميتة تُسمى الخلايا المتقرنة غير الطبيعية (Abnormal keratinocytes)،[1][4] وتُعرف هذه العملية أيضًا باسم انحلال الأشواك الفقاعي (فقدان الخلايا لترابطها) (Acantholysis) وهي من السمات البارزة لهذا المرض.[1][2]
إلى جانب تأثير الطفرة في توازن الكالسيوم، فهناك هنالك تفسير إضافي محتمل يفيد بأنّ المضخة المُعطَّلة قد تتجمع داخل الشبكة الإندوبلازمية مسببةً تراكم مواد ضارة يُشكِّل ضغطًا على الخلية، مما يؤدي إلى انفصال خلايا الجلد وتشوّهها، ويُسهم هذا في تطور الأعراض الجلدية للمرض.[1]
أعراض مرض داريير
يتسم داء دارييه بأنّه يَظهر في معظم الحالات لدى الأشخاص الذين يحملون الطفرة الجينية المُسببة له، ولكن شدة الأعراض قد تختلف من شخص لآخر، فكل من يرث الجين المسبب للمرض تَظهر عليه الأعراض بدرجات متفاوتة، وقد تكون طفيفة أو شديدة، وفي الحالات الأكثر حدة، قد تبدأ الأعراض في سن مبكرة.[1][2]
يُصنَّف مرض دارييه إلى عدة أشكال تبعًا لطبيعة الأعراض،[1] ومن أبرز أشكال داء درايير:
- النوع الجزئي (القطعي) (Segmental variant): تَظهر فيه البقع الجلدية على هيئة خطوط، وتُعرف باسم خطوط بلاشكو (Blaschko lines).[1][5]
- النوع النزفي في الأطراف (Acral hemorrhagic variant): نوع نادر ويُعتقد أنّه يَحدث نتيجة رضوض أو إصابات في الجلد، ويتسم بوجود نزيف سطحي في مناطق الأطراف بسبب الضغط، أو الاحتكاك.[1][2]
- التقرن الثؤلولي في الأطراف (Acrokeratosis verruciformis): يَحدث نتيجة طفرة مختلفة قليلًا في ذات الجين، ويَظهر غالبًا لدى الأشخاص الأصغر سنًا، ومن خصائصه وجود تغييرات في الأظافر، وظهور حفر صغيرة في راحتي اليدين وأخمص القدمين.[1][2]
تَظهر أعراض مرض دارييه عادةً بداية البلوغ وتستمر طوال الحياة،[1] ومن أبرز الأعراض التي يُعاني منها مرضى داء دارييه:[1][2]
- بثور حمراء أو بنية اللون مغطاة بطبقة سميكة من الجلد (فرط التقرن)، تَظهر غالبًا في الوجه، أو الصدر، أو تحت الإبط، أو بين الفخذين.
- تغييرات في الأظافر، مثل الخطوط الطويلة الحمراء والبيضاء، وتشققات على هيئة حرف (V) في أطراف الأظافر، بالإضافة إلى هشاشتها.
- تغيرات في الفم، تَظهر غالبًا في صورة بثور حمراء أو بيضاء وصلبة داخل الفم، وقد تتحول إلى قشور أو تقرحات، ولكنّها عادةً لا تُسبب انزعاجًا شديدًا.
- تغييرات في الأغشية المخاطية، خصوصًا في سقف الحلق وبطانة الخد، إذ تَظهر حبوب صغيرة تُشبه سطح الحصى.
- زيادة في حجم اللثة أو اللسان.
- مشكلات عصبية، مثل الصرع، أو الإعاقة الذهنية.
- التهاب الجفون وجفاف العينين.
- حكة وشعور بحرقة أو ألم، خاصةً في ثنيات الجلد، وقد تؤدي هذه الأعراض إلى رائحة جلد كريهة تشبه العفن، مما قد يُسبب عزلة اجتماعية لدى بعض المرضى.
الجدير بالذكر أنّ هذه الأعراض قد تتفاقم مع الوقت وتُصبح أكثر سوءًا في حال تعرض المريض لمجموعة من العوامل،[1] ومن أبرز هذه العوامل المؤثِّرة في مرضى داريير:[1][4]
- أشعة الشمس.
- الحرارة المرتفعة.
- التعرق الزائد.
- الحمل.
- العدوى البكتيرية.
- الاحتكاك (مثل حك الجلد أو ارتداء الملابس الضيقة التي تُسبب احتكاكًا).
- الإصابات السطحية، أو الخدوش.
- بعض الأدوية.
كيفية تشخيص داء دارييه
يُشخَّص مرض داريير عادةً من خلال مجموعة من الفحوصات الطبية التي تُسهم في التحقق من وجود المرض وتحديد شدته،[1] ومن أبرز الفحوصات المستخدمة لتشخيص داء دراييه:
- الفحص السريري: يُجرى لتقييم مظهر الطفح الجلدي.[1][2]
- الفحص النسيجي، يُظهر هذا الفحص علامات بارزة للمرض:[1][2]
- وجود خلايا متقرنة غير طبيعية أو ميتة، نتيجة انخفاض مستوى الكالسيوم في الشبكة الإندوبلازمية.
- انحلال الأشواك الفقاعي، وهو انفصال بين خلايا الجلد.
- التاريخ العائلي: يُؤخذ بعين الاعتبار في بعض الحالات.[1]
- فحص العدوى المصاحبة: للتحقق من وجود عدوى بكتيرية مثل عدوى المكورات العنقودية (Staphylococcal)، أو عدوى فيروسية، مثل فيروس هربس (Herpes)، لأنّ هذه العدوى قد تؤدي إلى تفاقم الحالة، وتزيد من خطر حدوث مضاعفات خطيرة قد تصل أحيانًا إلى الوفاة.[1]
- فحص تسلسل الجينات (Genetic sequencing): يُستخدم لتأكيد وجود الطفرة الجينية في جين (ATP2A2)، مما يُسهم في تأكيد التشخيص بدقة.[3]
هل يمكن علاج مرض داريير؟
لا يوجد علاج نهائي لمرض داريير حتى الآن، ويُعد من المشكلات الصحية المعقدة نتيجة تأثيره في أكثر من جهاز داخل الجسم، لهذا غالبًا ما يتطلب العلاج تعاونًا بين عدة تخصصات طبية، كما أنّ الهدف الأساسي من العلاج هو التخفيف من الأعراض وتقليل العوامل التي تؤدي إلى تفاقم المرض،[1][2] ومن أبرز الطرق التي تُسهم في السيطرة على الأعراض وتقليل المضاعفات لمرض داريير:[1][2]
- تجنب المحفِّزات، مثل التعرض المباشر لأشعة الشمس، أو ارتداء الملابس الضيقة، إذ يُنصح باستخدام واقي الشمس، والاهتمام بنظافة الجلد، والحفاظ على برودته.
- استخدام العلاجات الموضعية التي تُسهم في تقليل احتمالية الإصابة بالعدوى، وعلاج فرط التقرن (زيادة سماكة الجلد)، وتتضمن:
- مستحضرات الترطيب التي تحتوي على حمض اللاكتيك (Lactic acid) أو اليوريا.
- الستيرويدات القشرية الموضعية لتقليل الالتهاب، والحكة، والتهيج.
- الريتينويدات الموضعية (Retinoids)، وهي مشتقات فيتامين (A) وتُسهم في تقشير الجلد، وتعجيل تجدد الخلايا.
- المحاليل المطهِّرة، وذلك لتنظيف الجلد والوقاية من العدوى.
- المضادات الحيوية أو المضادات الفطرية الموضعية، تستخدم في حال وجود عدوى جلدية.
- دواء 5-فلورويوراسيل الموضعي (5-fluorouracil).
- استخدام العلاجات الفموية، التي تُعد من مشتقات فيتامين (A) وتُسهم في تقليل التقرن، وتحسين مظهر الجلد، وتُستخدم في الحالات المتوسطة إلى الشديدة:
- أسيتريتين (Acitretin).
- إيزوتريتينوين (Isotretinoin).
- أليتريتينوين (Alitretinoin).
- علاجات أخرى، تتضمن مشتقات فيتامين D، والعلاج بالليزر، والاستئصال الجراحي لبعض الحالات، أمّا العلاجات المستقبلية، فقد أظهرت بعض الدراسات نتائج واعدة لدواء جديد يُعرف باسم ميغلوستات (Miglustat)، الذي قد يُحسِّن من تماسك الخلايا الجلدية لدى المصابين.
مضاعفات مرض دارييه
إنّ من أكثر المضاعفات خطورة لدى المصابين بمرض دارييه هي العدوى الجلدية الشديدة، سَواءً أكانت بكتيرية أو فيروسية، مثل فيروس الورم الحليمي البشري (Human papillomavirus)، وفيروس الهربس البسيط، وفيروس الجدري.[1][5]
إضافةً لهذا، فقد يُرافق مرض دارييه بعض المضاعفات والمخاطر الصحية الأخرى:[3]
- ارتفاع خطر الإصابة بسرطان الجلد.
- داء السكري.
- الاضطرابات النفسية.
- أمراض القلب.
- أمراض الكلى.
هل يمكن الوقاية من مرض دارييه؟
لا توجد طريقة تَمنع الإصابة بمرض دارييه تمامًا، نظرًا لأنّه مرض وراثي، ومع هذا يُنصح بتجنب العوامل التي قد تُحفِّز تفاقم الأعراض، مثل الحرارة الزائدة، والاحتكاك المستمر، كما يُوصى بالاستشارة الوراثية للأشخاص المصابين بَهدف توعيتهم حول احتمالية انتقال المرض إلى الأبناء.[3]
أسئلة شائعة
1. ما هو مرض دارييه؟
مرض دارييه هو اضطراب جلدي وراثي نادر، يَحدث نتيجة طفرة في جين (ATP2A2)، وتؤدي هذه الطفرة إلى فقدان التماسك بين خلايا الجلد، مما يُسبب ظهور بثور سميكة ومثيرة للحكة، خصوصًا في المناطق الدهنية من الجسم.[5]
2. ما هو متوسط العمر المتوقع لشخص مصاب بمرض داريير؟
عادةً لا يؤثِّر مرض دارييه في متوسط العمر المتوقع، ومع هذا، فإنّ المرض يستمر طوال الحياة، ويَظهر على شكل نوبات تتكرر ثم تهدأ، قبل أن تعود من جديد.[1][3]
3. ما هو نقص الفيتامين المرتبط بمرض داريير؟
قد يرتبط نقص فيتامين A بمرض دارييه، إذ أظهرت بعض الدراسات أنّ العلاج الفموي بفيتامين A قد يُحسِّن من أعراض المرض بدرجة واضحة لدى بعض المرضى.[6]