يُعدّ مركب الجلوتاثيون (Glutathione) أحد أكثر مضادات الأكسدة شيوعًا في جسم الإنسان، إذ ينتجه الجسم طبيعيًا من مجموعة من الأحماض الأمينية كحمض الجلوتاميك (Glutamic acid)، والسيستين (Cysteine)، والجلايسين (Glycine)،[1] فهو يدخل في العديد من العمليات الحيوية في الجسم، لعلّ أهمها التخلص من الشوارد والجذور الحرّة، ويدخل كعامل مساعد للعديد من الإنزيمات المضادة للأكسدة، بالإضافة إلى تنظيم تكاثر الخلايا وموتها، وتخليص الخلايا والدماغ من محتواها من الزئبق، أمّا في الآونة الأخيرة، فقد حصل مركب الجلوتاثيون على الكثير من الاهتمام بسبب قدرته على تبييض وتفتيح البشرة.[2][3]
مركب الجلوتاثيون تاريخيًا
اكتُشف مركب الجلوتاثيون للمرة الأولى على يد العالم هوبكينز (Hopkins) سنة 1921 ميلادي في الخمائر والأنسجة، إذ يتواجد فيها على هيئتين بنسبٍ محددة، إما المؤكسدة التي تدعى الجلوتاثيون ثنائي الكبريت (GSSG) أو قد يوجد على هيئته المختزلة (GSH)، ويشير اختلال هذه النسبة بين كِلا الشكلين من الجلوتاثيون إلى إصابة الجسم بالعديد من الأمراض كالسرطان، والأمراض التنكسية العصبية، والتليف الكيسي، والسكري، والإيدز.[4]
خصائص مركب الجلوتاثيون الكيميائية
يتكون مركب الجلوتاثيون من مجموعة ثيول -كبريت وهيدروجين- (Thiol)، وببتيد ثلاثي يحتوي على الجلوتاميل، والسيستنيل، والجلايسين،[5] وتجدر الإشارة إلى أنّ جزيء الجلوتاثيون يتميز بحجمه الكبير، ويلعب دورًا هامًا في الأنشطة الكيميائية، والكهربائية، والحركية للجسم، كما يختلف تركيزه الذي يتراوح بين 0.1 -10 ميللي مولر في أنسجة الجسم المختلفة، إذ يوجد بكثرة في الكبد، والطحال، والكلى، وخلايا الدم الحمراء والبيضاء، وعدسة العين.[6]
يُستعمل مركب الجلوتاثيون للوقاية من أعراض تسمم الأعصاب والكلى الذي يرافق العلاج الكيميائي وباستخدام الأدوية المضادة للأورام، كالسيسبلاتين (Cisplatin) والأوكساليبلاتين (Oxaliplatin)، والآثار الجانبية المُصاحبة للعلاج الإشعاعي، بالإضافة إلى حالات التسمم بالمعادن الثقيلة وبعض المركبات الكيميائية، وعلاج اضطرابات الكبد، والقرنية، والإكزيما، ومن الجدير بالذكر أن استخدام الجلوتاثيون الوريدي للوقاية من أعراض الأدوية المضادة للأورام هو الاستعمال الوحيد الذي وافقت عليه إدراة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، إذ إن اكتشاف خصائصه في تبييض البشرة كان وليد الصدفة، فقد ظهر كعرض جانبي لاستعمال جرعات كبيرة من حقن الجلوتاثيون، مما آثار فضول المجتمع العلمي لدراسة دوره في التأثير على إنتاج صبغة الميلانين.[6][7]
ما هي الأسباب الرئيسية وراء الهوس بتفتيح البشرة؟
يمكن تعريف تفتيح البشرة على أنها توظيف بعض المركبات التي تقلل من تركيز صبغة الميلانين في المناطق الداكنة من الجلد بهدف توحيد لون البشرة، أو بهدف الحصول على بشرة ذات لونٍ أفتح، ويعود تاريخ هذه العملية إلى مصر القديمة، حين استخدم أهلها العسل وزيت الزيتون لتفتيح بشرة الوجه والجسم، كما استعمل الرومانيون القدماء الرصاص الأبيض، والطباشير، وحليب الحمير للحصول على بشرة فاتحة، وبحسب منظمة الصحة العالمية (World Health Organization) فإن اللجوء إلى تبييض البشرة دون إشراف المتخصصين يؤدي إلى نتائج خطيرة، كما أنه يمثل أزمة صحية عالمية في العديد من الدول، لا سيّما الآسيوية.[8][9]
يلجأ الكثيرون إلى تبيض البشرة جرّاء العديد من الأسباب والعوامل المعقدة، والتي تلتقي في الإعتقاد الشائع بأن البشرة الفاتحة تعكس مكانة اجتماعية أعلى ووضعًا اقتصاديًا اجتماعيًا أفضل، بالإضافة إلى تفضيلها على البشرات الداكنة من ناحية جمالية،[10] إلا أن اللجوء إلى مواد كيميائية بهدف تبييض البشرة يرتبط بالعديد من المضاعفات، كتردّي الصحة العقلية وظهور علامات الاكتئاب، ومن هذه المواد مركب الجلوتاثيون.[11]
مدى فعالية مركب الجلوتاثيون في تفتيح البشرة
يعدّ مركب الجلوتايون أحد أحدث الوسائل لتفتيح البشرة وتبييضها في عالم مستحضرات التجميل، إذ لا ينتجه جسم الإنسان طبيعيًا فحسب، بل يمكن الحصول عليه من مصادره الطبيعية، كاللحم النيء، ومشتقات الحليب، والبيض، كما يتوفر في الأسواق كمستحضرات فموية، وموضعية، وحقن وريدية، إلّا أنه لا يُعوّل على فعاليته لدى استخدامه فمويًا بسبب عدم قدرة الجسم على امتصاصه جيدًا وتحطيم إنزيمات الجهاز الهضمي له قبل أن يصل إلى خلايا الجسم المختلفة، لذا اتجهت المصانع إلى إنتاج الحقن بهدف الحصول على تركيز أفضل في الدم وبالتالي تبييض البشرة بطريقة فورية، إذ تتوفر الحقن بتراكيز تتراوح بين 600 إلى 1200 ملغ ليصار إلى استعمالها مرة أو مرتين أسبوعيًا.[12][13]
لا توجد العديد من الدراسات التي تتناول فعالية حقن الجلوتاثيون في تبييض البشرة، ولكن دراسة سريرية محدودة بعدد مشاركين ضئيل لا يتجاوز 32 شخصًا ضمن مجموعتين، إذ استخدمت المجموعة الأولى حقن الجلوتاثيون، بينما استخدمت المجموعة الثانية حقنًا تحتوي الدواء الوهمي (Placebo)، تلقّى خلالها المُشاركون ما مجموعه 12 حقنة تحتوي على مركب الجلوتاثيون بتركيز 1200 ميليغرام بالإضافة إلى فيتامين سي ومادة الكولاجين بتركيز 35 ملغ، وذلك على مدار ستة أسابيع لستة عشر مشارك بواقع حقنتين أسبوعيًا، أسفرت عن تحسُّن لون البشرة لدى ستة منهم فقط، إلا أن النتائج لم تدم لفترة طويلة بعد التوقف عن استعمال الحقن، مما يشير إلى أن نتائج التفتيح بإبر الجلوتاثيون غير دائمة.[12]
هل حقن الجلوتاثيون لها أضرار؟
على الرغم من الاعتقاد السائد بمأمونية حقن الجلوتاثيون بعد الاطلاع على التقارير التي تفيد باستخداماتها الطبية العديدة، كعلاج العقم وأمراض الكبد، إلّأ أن بعض الأعراض الجانبية رُصِدَت فعليًا، كالإصابة باضطرابات جلدية مميتة، مثل متلازمة ستيفين جونسون (Stevens-Johnson syndrome)، والنخر البشروي السميّ (Toxic epidermal necrolysis)، وآلام مزمنة شديدة في البطن، واختلال وظائف الغدة الدرقية، واعتلالات الكلى، بالإضافة إلى الإصابة بالانصمامات الهوائية، كما رُصدت حالات تسمم الدم والإصابة بفيروس نقص المناعة البشري (HIV) نتيجة الاستخدام غير الصحيح للحقن وإهمال تدابير التعقيم، أمّا على المستوى الخلوي، فإن زيادة مستويات مركب الجلوتاثيون في الجسم كفيلة بإحداث حالة من الإجهاد التأكسدي والذي قد يكون سامًا لأنسجة الجسم.[5][14]
يمكن تلخيص العوامل التي تحُدّ من تشجيع اللجوء إلى حقن الجلوتاثيون لتبييض البشرة في عدم وجود ما يكفي من الأبحاث والأدلة التي تدعم قدرتها على تبييض البشرة بفعالية، بالإضافة إلى عدم وجود بيانات ذات أساس علمي يمكن من خلالها تحديد الجرعة المناسبة وغياب معلومات تشير إلى فترة الالتزام بها بهدف الحصول على النتيجة المرجوة؛ مما يُحتّم ضرورة استخدام الحقن او الحبوب الفموية لفترة غير محدودة بهدف الحفاظ على النتيجة، وتجدر الإشارة إلى عدم إصدار إدارة الدواء والغذاء الأمريكية أية موافقة على استخدام حقن الجلوتاثيون في تبييض البشرة تحديدًا، عدا عن تحذيرات إدارة الدواء والغذاء الفلبينية حول الآثار الكارثية التي جرى رصدها جرّاء استخدام حقن الجلوتاثيون.[15]