أمراض الغدة الدرقية هي ثاني أكثر اضطرابات الغدد الصماء شيوعًا بعد داء السكري، وتؤثِّر في عدد كبير من سكان العالم، وتختلف نسبة انتشار هذه الأمراض تبعًا للمنطقة، لكن يُقدَّر أنّ نحو 5- 10% من السكان حول العالم يعانون من شكل ما من اضطرابات الغدة الدرقية.[1]
كما أنّ النساء أكثر عرضةً للإصابة بأمراض الغدة الدرقية بخمس مرات مقارنةً بالرجال، خصوصًا في سنوات الإنجاب. وغالبًا ما يكون متوسط عمر المصابين بهذه الاضطرابات بين 30 و60 عامًا. مع العلم، أنّ كبار السن هم الأكثر عرضةً للإصابة بالحالات الحميدة والخبيثة على حدٍ سَواء.[1]
ما هي جراحة استئصال الغدة الدرقية؟
استئصال الغدة الدرقية (Thyroidectomy) هو إجراء جراحي يَهدف إلى إزالة الغدة الدرقية أو جزء منها. ويُجرى عادةً لعلاج حالات مثل سرطان الغدة الدرقية وفرط نشاطها. ويمكن إجراء العملية بعدة طرق، منها الجراحة التقليدية المفتوحة أو الجراحة قليلة التوغل، مع الحرص الشديد على حماية الأنسجة المحيطة مثل العصب الحنجري الراجع (Recurrent laryngeal nerve (RLN)) أو الغدد جارات الدرقية (Parathyroid glands).[2][3]
وتَجدر الإشارة إلى أنّ الجراحة التقليدية المفتوحة لاستئصال الغدة الدرقية تُجرى بمعدلٍ أعلى من الجراحة قليلة التوغل على الرغم من أنها تتطلب تحضيرًا دقيقًا للمريض قبل العملية، ومعرفةً دقيقةً بتشريح الرقبة، وأماكن الأعصاب، والغدد المهمة، إضافةً إلى إتقان الخطوات الجراحية المختلفة.[2][3]
ما أسباب جراحة استئصال الغدة الدرقية؟
تتعدد اسباب استئصال الغدة الدرقية.[1] من أبرزها:[1][4]
- الأورام الحميدة، مثل الكيسات الغروانية (Colloid cysts)، وعقيدات الغدة الدرقية (Nodules)، والأورام الغدية (Adenomas).
- تضخم الغدة الدرقية أو الدُّراق (Goiter)، وهو تورم قد يؤدي إلى صعوبة في التنفس، أو الكلام، أو البلع.
- أسباب تجميلية.
ما أنواع جراحة استئصال الغدة الدرقية؟
تتعدد أنواع عملية استئصال الغدة الدرقية تبعًا لشدة المرض وطبيعته، ووجود الأورام الخبيثة، والحالة الصحية للمريض.[1] ومن أكثر هذه الأنواع شيوعًا:[1][5]
- استئصال الغدة الدرقية بالكامل (Total thyroidectomy (TT)): يُجرى عادةً للمرضى المصابين بأورام خبيثة مؤكدة مثل السرطان الحليمي (Papillary carcinoma) وسرطان الغدة الدرقية الجريبي (Follicular carcinoma).
- استئصال شبه كلي للغدة الدرقية (Near- total thyroidectomy (NTT)): يُجرى عندما لا يكون استئصال الغدة كاملًا ممكنًا نتيجة احتمال إصابة الهياكل المحيطة.
- استئصال جزء من الغدة الدرقية (Sub- total thyroidectomy (STT)): يُستخدم في الحالات الحميدة، إذ لا يلزم إزالة الغدة كاملةً.
- استئصال نصف الغدة الدرقية (Hemithyroidectomy (HT)): يُجرى للمرضى الذين لديهم عقيدات أو أورام صغيرة محدودة في فص واحد من الغدة الدرقية.
- استئصال فص الغدة الدرقية مع البرزخ (Lobectomy and isthmusectomy): يُسهم في إبقاء الفص الآخر من الغدة الدرقية سليمًا، مما يُحافظ على وظيفة الغدة ويُقلل المخاطر إذا عاد المرض.
ما أبرز الإجراءات قبل جراحة استئصال الغدة الدرقية؟
قبل الخضوع لعملية استئصال الغدة الدرقية يجب على الطبيب اتباع مجموعة من الإجراءات لضمان سلامة المريض واختيار نوع الجراحة المناسب.[2] ومن أبرز هذه الإجراءات:[2][6]
- تقييم وظيفة الغدة الدرقية للتحقق من فرط نشاطها أو قصورها، لأن ذلك قد يؤثِّر في طريقة التعامل الطبي قبل الجراحة وأثناءها.
- الكشف عن أي تغيرات في الغدة من خلال التصوير بالأمواج فوق الصوتية.
- أخذ عينة بإبرة دقيقة لتحليل الخلايا المشتبه بكونها سرطانيةً أو خبيثةً.
- تقييم وظيفة الأحبال الصوتية وتوثيقها قبل العملية.
- استبعاد إجراء جراحة الاستئصال في بعض الحالات:
- المرضى المصابون باضطرابات نزف شديدة غير معالجة أو بحالات طبية أخرى غير مستقرة مثل فشل القلب غير المسيطر عليه أو مرض الانسداد الرئوي المزمن الشديد (Severe chronic obstructive pulmonary disease)، لأن التخدير قد يكون خطيرًا عليهم.
- حالات فرط نشاط الغدة الشديد، نتيجة خطر حدوث العاصفة الدرقية أو نوبة التسمم الدرقي (Thyroid Storm) أثناء العملية أو بعدها.
- حالات استئصال الغدة الدرقية والحمل، في هذا حالات الحمل عادةً ما يُفضل تأجيل الجراحة إلى ما بعد الولادة لتجنُّب مخاطر التخدير على الجنين، إلَّا إذا كان السرطان شديدًا ويُهدد مجرى الهواء، ففي هذه الحالة تكون الجراحة ضروريةً.
كيف تُجرى جراحة استئصال الغدة الدرقية؟
تحتاج عملية استئصال الغدة الدرقية إلى أدوات جراحية أساسية، إضافةً إلى إضاءة قوية وواضحة لضمان الرؤية أثناء الجراحة.[2]
تُجرى عملية استئصال الغدة الدرقية من خلال جراحات مختلفة،[6] من أبرزها:
- وضعية المريض: يُوضع المريض على ظهره مع إرجاع الرقبة إلى الخلف، عادةً مع وضع وسادة تحت الكتف لتحسين رؤية موقع الجراحة. وعند كبار السن أو المرضى الذين لديهم محدودية في حركة الرقبة، يجب تجنُّب تمديد الرقبة بإفراط، مع رفع الرأس قليلًا.
- التخدير: يمكن إجراء استئصال الغدة الدرقية باستخدام تخدير موضعي أو التخدير الناحي إذا لزم الأمر. في حالة التخدير الموضعي، يُحقن مخدر موضعي مع الإيبينيفرين (Epinephrine) قبل الشق لتقليل النزف في الجلد وعضلة العنق (Platysma). ومع ذلك، تُجرى أغلب العمليات عادةً تحت تخدير عام مع إدخال أنبوب تنفس في القصبة الهوائية.
- الشق الجراحي: عادةً يُجرى شق أفقي في ثنية الجلد على بُعد 2 سم فوق الثلمة القصية (Sternal notch)، ويُعدَّل حسب حجم الغدة ومدى الحاجة إلى الجراحة. ويُجرى شق في الجلد والنسيج تحت الجلد وعضلة العنق، مع السيطرة على أي نزيف.
- رفع الشق تحت العضلة الجلدية للعنق أو العضلة الدرقية: يُرفع النسيج تحت الجلد وعضلة العنق بحذر للأعلى والأسفل لتحسين الرؤية أثناء الجراحة. ويُستخدم تشريح حاد أو كليل (Blunt dissection) بمساعدة الكي الكهربائي، أو المشرط فوق الصوتي أو الذكي (Ultrasonic scalpel) لتمديد الطبقة تحت العضلة الدرقية من الغضروف الدرقي حتى الثلمة فوق القص.
- كشف الغدة الدرقية: تُحرّك عضلات الرقبة الأمامية خصوصًا العضلة القصية اللامية (Sternohyoid) والقصية الدرقية (Sternothyroid) جانبًا بشق الرفاء المتوسط (Median raphe) لكشف كبسولة الغدة. ويجب الوصول مباشرةً إلى الكبسولة لتجنُّب ترك طبقات من اللفافة فوقها. ويُفضّل البدء بالجانب الذي يحتوي على الورم الخبيث أو الأكبر في الحالات غير السرطانية للتعامل مع الجزء الأهم أولًا إذا حدثت مضاعفات.
- تشريح الجزء العلوي من فص الغدة الدرقية (Superior pole dissection): يُسحب الفص بلطف إلى الأمام والوسط لكشف الشريان والوريد الدرقيَّين العلويَّين. ويُفصل النسيج بين الأوعية باستخدام التشريح الكليل، وهو فصل الأنسجة عن بعضها دون قطع حاد، مع الحفاظ على القرب من الكبسولة لتجنب إصابة الفرع الخارجي للعصب الحنجري العلوي. وبعد ربط الأوعية، يُدوَّر الفص نحو الوسط، مما يُسهم في كشف الحاجز الرغامي المريئي (Tracheoesophageal groove) وموقع العصب الحنجري الراجع.
- تحديد العصب الحنجري الراجع: يُحدد العصب عادةً بعد كشف أوعية الجزء العلوي من فص الغدة الدرقية. ويمتد العصب من الجهة السفلية والجانبية نحو الأعلى والوسط بمحاذاة اللفافة أمام الفقرية (Prevertebral fascia) قبل دخوله الغشاء الحلقي الدرقي (Cricothyroid membrane). وإذا صعُب تحديده في الحاجز الرغامي المريئي، من الممكن تتبعه عند دخوله الغشاء الحلقي الدرقي. ويُتجنَّب شد العصب أو تعريضه للحرارة المباشرة، وقد يُستخدم جهاز تحفيز الأعصاب لتأكيد سلامته.
- تحديد الغدة جارة الدرقية: من المهم تحديد الغدد الجارات الدرقية والحفاظ عليها لتجنُّب قصورها، والمحافظة على إمدادها الدموي.
- تشريح الجزء السفلي من فص الغدة الدرقية (Inferior pole dissection): يُربط كل فرع من فروع الشريان والوريد الدرقي السفلي كل على حدة. ويُفضل تحديد العصب الحنجري الراجع قبل التعامل مع الأوعية السفلية لتقليل خطر إصابته.
- إزالة الغدة: بعد فصل الجزء السفلي، تبقى الغدة متصلةً برباط بيري (Ligament of Berry) وعقيدة زوكركاندل (Tubercle of Zuckerkandl)، وهما منطقتان قليلتا الأوعية ويمكن فصلهما باستخدام أداة حادة أو جهاز طاقة مع الحرص على عدم إصابة القصبة الهوائية.
- إغلاق الجرح: قبل الإغلاق يجب السيطرة بدقة على النزيف باستخدام مواد مضادة للنزف مثل لاصقات الفيبرين (Fibrin sealants) لتخفيف النزيف والحد من تكوّن الورم المصلي. ثم تُعاد العضلات الأمامية بخيوط غير مشدودة أو ذات توتر خفيف، وتُغلق العضلة الجلدية بخيوط قابلة للامتصاص لمنع التصاق الشق بالقصبة الهوائية، ويُغلق الجلد بخياطة تجميلية مع وضع ضماد مناسب.
- استئصال الغدة الدرقية بالمنظار، يَهدف إلى تقليل الأضرار والتأثيرات الجمالية الناتجة عن الجروح الكبيرة في الجراحة المفتوحة أو التقليدية، إضافةً إلى تحقيق تعافٍ أسرع، ونتائج أفضل. وتُجرى العملية عادةً عبر شقوق صغيرة في مناطق مخفية من الجسم باستخدام تقنيات التنظير.[7] وتشمل أبرز طرق الاستئصال بالمنظار:[7]
- المنظار عبر الإبط.
- المنظار عبر الثدي/ الصدر.
- المنظار عبر الفم.
- استئصال الغدة الدرقية بالليزر: هو إجراء غير جراحي يُستخدم عادةً لعلاج العقد الدرقية الحميدة. وقد أظهرت إحدى الدراسات أنّ هذا الإجراء يُقلل حجم العقد بدرجةٍ كبيرةٍ ويُحسِّن الأعراض، مع معدل منخفض من المضاعفات ودون تأثير ملحوظ في اختبارات وظيفة الغدة الدرقية أو اختبارات الأجسام المضادة. ويُجرى الاستئصال عادةً بوضع إبرة تحتوي على ألياف ضوئية داخل العقدة وتشغيل الجهاز لتفعيلها، وقد يتطلب سحب الألياف مرةً أو مرتين في العقد الكبيرة.[8]
ما أبرز الإجراءات بعد استئصال الغدة الدرقية؟
غالبًا لا تتطلب عملية استئصال الغدة الدرقية عند الرجل أو استئصال الغدة الدرقية عند المرأة البقاء في المستشفى، إذ يُمكنهم العودة إلى المنزل في نفس اليوم، لكن بعض الحالات قد تتطلب المكوث في المستشفى.[2]
ومن أبرز الإجراءات التي تُتبع بعد جراحة استئصال الغدة الدرقية:[2][6]
- تقييم أعراض نقص الكالسيوم:
- حالات نقص الكالسيوم العرضية: تُعالج بمكملات الكالسيوم الفموية.
- حالات نقص الكالسيوم الشديدة: قد تحتاج إلى إعطاء الكالسيوم وريديًا مع المراقبة داخل المستشفى.
- تعويض هرمون الغده الدرقيه بعد العمليه: يحتاج معظم المرضى إلى استخدام هرمون الغدة الدرقية الصناعي كعلاج تعويضي مدى الحياة لتعويض فقدان الهرمون الطبيعي.
- توعية المرضى قبل الخروج، تتمثل باتباع بعض الإجراءات، منها:
- تعليم المريض كيفية العناية بالشق الجراحي والتعرف على علامات نقص الكالسيوم مثل التنميل أو الوخز في الأصابع أو حول الفم.
- إعلام المريض بخطر تكوّن ورم دموي في الرقبة وأعراضه.
- العناية بالشق باستخدام بيروكسيد الهيدروجين (Hydrogen peroxide) وهلام البترول أو الفازلين (Petroleum jelly) مرتين يوميًا.
- التوجه فورًا إلى الطوارئ عند ظهور تورم في الرقبة أو صعوبة في التنفس.
ما اضرار استئصال الغدة الدرقية؟
على الرغم من أنّ استئصال الغدة الدرقية من العمليات الشائعة والآمنة عالميًا، فإنّه قد ينطوي على بعض المخاطر نتيجة قرب الغدة من تراكيب وأجزاء مهمة ووظائفها الحيوية. وتتراوح المضاعفات من خلل مؤقت إلى مشكلات خطيرة تُهدد الحياة.[4]
ومن أبرز اعراض استئصال الغدة الدرقية:[1][4]
- النزيف.
- تكوَن ورم دموي أو صديدي.
- التهاب الجرح أو العدوى.
- انسداد مجرى الهواء.
- إصابة العصب الحنجري الراجع، مما يؤدي إلى بحة الصوت أو شلل الأحبال الصوتية.
- قصور جارات الدرقية.
- نقص الكالسيوم.
ومن الجدير بالعلم أنّ معدل الإصابة بهذه المضاعفات بعد الجراحة يرتبط بمدى استئصال الغدة وينخفض كلما زادت خبرة الجراح ومهارته.[1]
ما العلاقة بين استئصال الغدة الدرقية والكالسيوم؟
تُقاس مستويات الكالسيوم في اليوم الأول بعد استئصال الغدة لمراقبة حدوث قصور جارات الدرقية (Hypoparathyroidism). فإذا انخفض الكالسيوم مؤقتًا ثم ارتفع خلال 6 أشهر، يُعد نقصًا مؤقتًا، أمّا إذا استمر الانخفاض بعد 6 أشهر، فيُعد نقصًا دائمًا ويتطلب عندها تناول مكملات الكالسيوم وفيتامين د.[1]
أسئلة شائعة:
1. هل استئصال الغدة الدرقية يمنع الحمل؟
لا، استئصال الغدة الدرقية لا يمنع الحمل. وفقًا لإحدى الدراسات الحديثة، تبيّن أنّ استئصال الغدة الدرقية الكلي أو الجزئي لم يُقلل من احتمالية الحمل، خصوصًا لدى النساء الشابات.[9]
2. هل يزيد الوزن بعد استئصال الغدة الدرقية؟
تشير معظم الدراسات إلى حدوث زيادة في الوزن بعد استئصال الغدة الدرقية الكامل، وتَحدث عادةً أكبر زيادة خلال أول سنتين بعد الجراحة. وقد تكون هذه الزيادة خفيفة وتكون أكثر شيوعًا بين الأشخاص الأصغر سنًا والذين أُجريت لهم الجراحة نتيجة فرط نشاط الغدة الدرقية.[10]
3. متى يجب استئصال الغدة الدرقية؟
من أبرز الحالات التي يُلجأ فيها إلى استئصال الغدة الدرقية:[1]
- الأورام الحميدة.
- الأورام الخبيثة.
- أسباب تجميلية.