يتكوّن الجهاز التنفسي من الأنف، والفم، والبلعوم (الحلق)، والحنجرة، والقصبة الهوائية (Trachea) التي تُعدّ أكبر الممرات الهوائية، ثمّ تتفرع إلى ممرات صغيرة تُسمّى القصيبات الهوائية (Bronchioles)، التي تلتصق بأنسجة الرئتين وتوجد في نهاية كلٍ منها الحويصلات الهوائية (Alveoli)،[1] يتعرّض الجهاز التنفسي العلوي والسفلي حاله كحال باقي أجهزة الجسم إلى الإصابة ببعض المشاكل المرضية، عندها يلجأ الطبيب لبعض الإجراءات الطبية التشخيصية مثل تنظير القصبات (Bronchoscopy) لتقييم الجهاز التنفسي السفلي والعلوي،[2] فما هو تنظير القصبات؟ وما هي أسباب تنظير القصبات؟
ما هو تنظير القصبات؟
تنظير القصبات أو منظار الرئة الداخلي هو أحد الإجراءات الطبية التشخيصية والعلاجية التي يشيع استخدامها في الأمراض الصدرية والرئتين، ويسمح للطبيب بتفحّص الرئتين ورؤية التراكيب الداخلية الطبيعية وغير الطبيعية للمسالك الهوائية في جهاز التنفسي العلوي والسفلي،[2][3] بواسطة أداة مُعيّنة تُسمّى منظار القصبات (Bronchoscope) -وهو أنبوب رفيع يحمل مصدر ضوء ينتهي طرفه بكاميرا يُمرّر عبر الفم أو الأنف إلى أسفل الحلق والممرات الهوائية-، كما يمكن من خلال توظيف تقنيات التصوير بالموجات فوق الصوتية (Ultrasonographic) المتقدمة تقييم العقد الليمفاوية ومحيط الرئة،[3][4] وجمع العينات من الرئة أو الممرات الهوائية باستخدام المنظار لتشخيص أمراض الرئتين، وعلاج البعض منها.[5]
الجدير بالذكر أن تنظير القصبات التشخيصي أو العلاجي يتضمن نوعين رئيسيّين،[2] هما:
- المنظار المرن (Fiberoptic bronchoscopy (FOB))، يُستخدم بنسبة 90% من حالات تنظير القصبات،[2] وغالبًا ما يُجرى تحت تأثير التخدير الموضعي للمريض، ويستخدم الطبيب فيه منظار مرن رفيع يصل إلى الممرات الهوائية في الرئتين، ويُستخدم بهدف العلاج أو التشخيص، ويُعدّ الأكثر استخدامًا مقارنةً مع تنظير القصبات الصلب[6]
- المنظار الصلب (Rigid bronchoscopy (RB))، يستخدم غالبًا في الإجراءات العلاجية لأمراض الرئة،[2] إذ تتطلّب بعض الإجراءات التشخيصية أو العلاجية استخدام منظار القصبات الصلب، ويخضع المريض أثناء التنظير الصلب غالبًا إلى التخدير الكليّ، وعادةً ما يُستخدم في الإجراءات العلاجية التي تحتاج إلى المنظار المعدني الصلب كإزالة الأجسام الغريبة، أو إيقاف النزيف، أو توسيع الممرات الهوائية.[5]
كما يُفضِّل الأطباء إجراء تنظير القصبات للأطفال والرّضع باستخدام منظار القصبة الهوائية المرن مقارنةً بالمنظار الصلب، ويلجأ إليه الأطباء للأطفال الذين يُعانون من صعوبة في التنفّس، أو يخضعون لعلاجات الأكسجين، وغالبًا ما يُجري الأطباء تنظير القصبات للأطفال تحت تأثير المهدئ الوريدي نظرًا لعدم تعاونهم أثناء الإجراء، مع الحرص على مراقبة العلامات الحيوية باستمرار أثناء التنظير.[7]
ما هي دواعي إجراء تنظير القصبات؟
يُمكِّن تنظير القصبات الطبيب من فحص الممرات الهوائية وجمع العينات، ممّا يُسهم في التشخيص المناسب لمشاكل وأمراض الرئة،[8] ومن أسباب إجراء تنظير الرئة:
- ظهور أعراض غير مُبرّرة؛ مثل السعال المستمر لأكثر من ثلاثة أشهر، وخروج الدم عند السعال، وبحة في الصوت، وصوت الصفير في الصدر، وصعوبة التنفّس.[6][8]
- تقييم الممرات الهوائية بحثًا عن التشوهات، أو الالتهابات، أو الأورام،[9] أو الاشتباه بوجود الأجسام الغريبة في المجاري التنفسية.[8]
- أخذ عينات العقد الليمفاوية القريبة من الرئتين،[8] أو أنسجة الممرات الهوائية لتقييم الآفات الموجودة، أو جمع عينات من البلغم لإجراء الفحوصات المخبرية المجهرية، والزراعة المخبرية.[9]
- الكشف عن السبب المؤدي لانخفاض مستوى الأكسجين في الجسم.[8]
- استنشاق المريض أحد الغازات السامّة، أو المواد الكيميائية.[8]
- تقييم رئتيّ المريض بعد الخضوع لعملية زراعة الرئة والتحقق من عدم رفض الجسم لها.[8]
- ظهور نتائج غير طبيعية للفحوصات الإشعاعية في منطقة الصدر، والتي قد تُشير إلى الإصابة بعدوى أو ورم.[6]
- تشخيص سرطان الرئة، وتحديد مراحله، كما قد يسهم في علاجه.[10]
- تحديد السبب المؤدي للإصابة بشلّل الأحبال الصوتية.[9]
كما يستخدم الأطباء تنظير القصبات كخيار علاجي في العديد من المشاكل المرضية،[9] وتتضمن:
- شفط السوائل أو المخاط السميك لمرضى انخماص الرئة الذين يُعانون من انسداد في المجرى التنفسي إثر العمليات الجراحية، ووضع الدعامات لإبقاء الممرات الهوائية مفتوحة عند الحاجة.[6][9]
- إيقاف النزيف داخل القصبات الهوائية.[9]
- إزالة الأجسام الغريبة من الممرات الهوائية.[9]
- العلاج الإشعاعي القريب أو الموضعي؛ باستخدام سلك الإيريديوم الذي يُمرر أثناء إجراء تنظير القصبات.[9]
- إزالة الأورام الموجودة في القصبات الهوائية بالليزر من خلال منظار القصبات المرن.[9]
- غسل الممرات الهوائية.[8]
هل تنظير القصبات خطير؟
يُعدّ تنظير القصبات إجراءً طبيًا آمنًا، إلا أنّ هناك بعض المضاعفات النادرة التي قد تحدث للمريض،[6] ومن أبرز أضرار منظار الرئة:[4][9]
- النزيف الشديد.
- الحمّى.
- تشنّج الحنجرة.
- تشنّج القصبات.
- نقص الأكسجين.
- الاسترواح الصدري (انكماش الرئتين).
- اضطراب ضربات القلب.
- إصابة الأحبال الصوتية.
تحضيرات ما قبل إجراء تنظير القصبات
يجب الحصول على موافقة خطية من المريض قبل البدء بإجراء تنظير القصبات، وعلى الطبيب فحص المريض سريريًا والنظر بتمعّن لتاريخهِ الصحي والمرضي، والتحقّق من قائمة الأدوية الخاصة بالمريض،[4] بالإضافة إلى مراعاة بعض التعليمات:[4][9]
- الامتناع عن تناول الطعام والشراب لمدة 8 ساعات قبل الخضوع للتنظير.
- مراقبة العلامات الحيوية للمريض والدورة الدموية.
- إجراء تخطيط القلب للمريض في حال الحاجة إليه.
- تنظيف الفم جيدًا لتقليل فرصة نقل العدوى إلى الرئتين.
- إزالة طقم الأسنان من الفم في حال وجوده.
- إرشاد المريض بعدم ابتلاع المخدر الموضعي حين استخدامه ورشِّه في الحلق.
طريقة إجراء تنظير القصبات
يُجرى تنظير القصبات في غرفة مجهّزة معقمة بإشراف اختصاصي الأمراض الصدرية أو اختصاصي الجراحة العامة، وغالبًا ما يحتاج من الوقت ما يُقارب 30 إلى 45 دقيقة،[9] ضمن عِدة خطوات:
- اتخاذ المريض الوضعية المناسبة بالاستلقاء على الظهر (أشبه بوضعية فاولر).[11]
- رش التخدير الموضعي داخل الحلق أو الفم، وفي حال مُرّر أنبوب التنظير عبر الأنف يوضع هُلام مُخدّر في فتحة الأنف.[8]
- حقن المريض بالتخدير الكامل على حسب الحاجة، أو حقن المريض بالأدوية المهدئة ليشعر بالاسترخاء.[8]
- يُمرّر الأنبوب بحذر من خلال الأنف أو الفم إلى البلعوم ثم الحنجرة وصولًا إلى القصبات الهوائية،[9] أثناء ذلك يشعر المريض بالرغبة في السعال إلا أنّها تزول عند بدء مفعول المخدر.[8]
- يحقن الطبيب محلول ملحي بواسطة أداة معينة عبر المنظار بغية جمع عينات من الممرات التنفسية الصغيرة والأكياس الهوائية التي لا يمكن رؤيتها من خلال منظار القصبات، ويسمى هذا الإجراء بغسل القصبات والأسناخ (Bronchoalveolar lavage)، ومن ثم يُسحب المحلول مرة أخرى ليحمل معه بعض الخلايا أو البكتيريا في حال وجودها، بعدها يجري عليه الطبيب بعض الفحوصات المخبرية كالفحص المجهري، أو الزراعة،[5] كما قد يمرر الطبيب أحيانًا عند الحاجة أداة شبيهة بالملقط أو الفرشاة الصغيرة لجمع عينات صغيرة من أنسجة الرئتين، بالإضافة إلى لجوء الطبيب أحيانًا إلى وضع دعامات في القنوات الهوائية -أداة صغيرة شبيهة بالأنبوب-، وذلك بالاستعانة بتقنية الموجات فوق الصوتية (Ultrasound) ليتمكّن الطبيب من الرؤية بوضوح أثناء وضعها.[8]
- يقيّم الطبيب الممرات الهوائية أثناء تمرير المنظار، بحثًا عن وجود أي تشوّهات في الغشاء المخاطي، أو تضيّقات في المجاري الهوائية، أو انسداد، إذ يلتقط المنظار الصور ويُسجّل مقاطع الفيديو التي تُعرض على الشاشة ليتمكّن الطبيب من الرجوع إليها عند الحاجة.[4]
- يزيل الطبيب المنظار عند الانتهاء،[8] بعدها يبقى المريض تحت المراقبة من 2 إلى 4 ساعات، وفي حال جُمعت خزعة من الأنسجة أثناء التنظير، يخضع المريض للتصوير بالأشعة السينية لمنطقة الصدر للتحقق من عدم حدوث بعض المضاعفات كالنزيف أو الاسترواح الصدري.[5]
ما بعد تنظير القصبات
على المريض تجنب تناول الطعام أو الشراب حتى زوال تأثير التخدير الذي غالبًا ما يحتاج إلى ساعتين، ويبقى أثناء ذلك تحت المراقبة لملاحظة حدوث أي مضاعفات كالنزيف، أو ضعف التنفّس، أو تشنّج الحنجرة، كما قد يكون المريض عُرضة للإصابة بالحمّى خلال ال 24 ساعة الأولى بعد الإجراء، وفي حال استمرار ارتفاعها يجب طلب المساعدة الطبية على الفور،[9] وقد يُشير ظهور مخاط ورديّ اللون في عينة البلغم الخاصة بالمريض أو نفث الدم إلى وجود نزيف، وغياب صوت التنفس إلى إصابته بالاسترواح الصدري، كما يُنصح المريض بتجنب الإجهاد بالتحدّث كثيرًا، والإكثار من شرب السوائل الساخنة، والغرغرة بمحلول ملحي دافئ لتخفيف ألم الحلق، وتجنب تناول الأطعمة صعبة البلع،[11] ويستغرق صدور نتائج الزراعة والخزعة من 2 إلى 7 أيام.[9]
نتائج تنظير القصبات
تُشير النتائج الطبيعية لتنظير القصبات إلى أنّ خلايا أنسجة الحنجرة، والقصبة الهوائية، والشعب الهوائية، والحويصلات الهوائية طبيعية، وأنّ نتائج اختبار عينة السائل طبيعية أيضًا، ولا وجود لأي انسداد في الممرات الهوائية أو أجسام غريبة،[8][9] وترتبط النتائج غير الطبيعية لتنظير القصبات بالعديد من المشاكل المرضية:[8][9]
- تضيّق الممرات الهوائية.
- الإصابة بالالتهابات.
- عدوى بكتيرية، مثل السّل (Tuberculosis)، أو عدوى فيروسية، أو طفيليّة.
- السرطانات؛ مثل سرطان الرئة أو السرطان في منطقة ما بين الرئتين.
- تلف الرئة الناتج عن رد الفعل التحسسّي.
- اضطرابات الرئة الناتجة عن أمراض مناعية كالساركويد، أو التهاب المفاصل الروماتويدي.
- رفض الجسم للرئة المزروعة، أو الإصابة بعدوى ناتجة عنها.
- وجود أجسام غريبة.
- الخرّاج.