تصاعد الاهتمام العالمي خلال العقود الماضية إزاء انتشار فيروس التهاب الكبد B، باعتباره مصدرًا يهدّد السلامة والصحة العامّة، إذ ذكرت دراسة منشورة في مجلة ذا لانسيت (The Lancet) عام 2022 ميلادي، أنّ معدّل الانتشار العالمي لعدوى فيروس التهاب الكبد ب في عام 2019 قُدِّر بنحو 4.1%، وهو ما يشير إلى وجود 316 مليون مصاب تقريبًا على مستوى العالم، وتجدر الإشارة إلى تسبُّب العدوى بفيروس التهاب الكبد ب بتضرُّر أنسجة الكبد، خاصةً في حال الإصابة بالتهاب الكبد ب المزمن، إذ تزداد خطورة حدوث الوفاة المبكّرة لدى شخص واحد بين كل أربعة مصابين بفيروس التهاب الكبد ب المزمن، ويُعزى حدوث الوفاة إلى تطوّر سرطان الكبد أو تشمّع الكبد،[1] ومن جانبٍ آخر، تشير تقارير منظمة الصحّة العالميّة (WHO) إلى أنّ حوالي 27 مليون شخص فقط من المصابين بعدوى فيروس التهاب الكبد ب الوبائي يدركون إصابتهم بالعدوى، ويتلقّى العلاج حوالي 4.5 مليون مُصاب منهم فقط.[2]
ما هو التهاب الكبد B؟
التهاب الكبد ب أو التهاب الكبد الوبائي ب (Hepatitis B) هو الالتهاب الناجم عن اجتياح فيروس التهاب الكبد الوبائي ب (HBV) لخلايا الكبد، وهو أحد أنواع الفيروسات الكبديّة (Hepadnaviridae)، وهو من الفيروسات المقاوِمة لدرجات الحرارة والرطوبة الشديدة، إذ يمكنه العيش لمدة 6 أشهر على درجة حرارة الغرفة، ولمدة 7 أيام على درجات حرارة تصل إلى 44 درجة مئوية،[3] وفي الحقيقة تعد الإصابة بالتهاب الكبد ب الوبائي المسؤولة عن أكثر من نصف حالات سرطان الكبد في العالم، والسّبب الرئيسي للإصابة بتشمّع الكبد، والوصول إلى مراحل متقدّمة من أمراض الكبد،[4] كما يأتي بالمرتبة الثانية بعد التهاب الكبد أ في التسبّب بمعظم حالات التهاب الكبد الفيروسي الحادّ.[5]
أعراض التهاب الكبد B
تجدر الإشارة إلى أنّ بعض حالات الإصابة بعدوى التهاب الكبد الوبائي b لا تكون مصحوبة بظهور أيّة أعراض خلال الفترة الأولى بعد الإصابة، أو حتى خلال كامل فترة الإصابة بالعدوى، وهو ما يشكّل تحديًا بالنسبة للطبيب المسؤول عن تشخيص الحالة، وفي الحقيقة تختلف الأعراض التي يعاني منها المُصاب بالتهاب الكبد ب الوبائي الحاد عن الالتهاب المزمن منه،[6] فالتهاب الكبد الحادّ هو الالتهاب الذي يستمر فترة تتراوح بين بضعة أسابيع إلى 6 شهور، في حين يُعرَف التهاب الكبد الذي يستمر لمدة أطول من ذلك بأنّه التهاب مزمن عادةً، ويُذكر بأنّ حوالي 5-10% فقط من مجموع حالات الإصابة بالتهاب الكبد ب الحادّ يتطوّر لديها التهاب الكبد ب المزمن، وتزداد خطورة حدوث الالتهاب المزمن، كلّما كان المصاب بالتهاب الكبد ب الحادّ أصغر سنًّا.[5][7]
أعراض التهاب الكبد ب الحادّ
تظهر في بعض الحالات أعراض أوليّة مصاحبة لالتهاب الكبد ب الحادّ:[6]
- أعراض المتلازمة الشبيهة بداء المصل (Serum sickness-like syndrome)، والتي تتميّز بظهور الطفح الجلدي، والإصابة بالحمى، والشعور بألم المفاصل، وظهور التهاب المفاصل.
- يرقان (الصفار)، وغالبًا ما تزول أعراض المتلازمة الشبيهة بداء المصل بمجرّد ظهور اليرقان.
- الغثيان.
- ألم في البطن.
- التقيؤ.
- فقدان شهيّة.
- التعب.
أعراض التهاب الكبد ب المزمن
تختلف أعراض التهاب الكبد ب المزمن من حالةٍ لأخرى، إذ يعاني البعض من وجود عدوى مزمنة غير نشِطة، أي أنّها لا تكون مصحوبة بظهور أيّة أعراض، ولا يوجد أي دليل أو مؤشر على وجود مرض نشِط في جسم المصاب، ولكن قد تظهر في حالات أخرى أعراض شبيهة بالأعراض المصاحبة لحالات التهاب الكبد الحادّ، ويعرف حينها باسم التهاب الكبد المزمن النّشِط.[3][6]
تجدر الإشارة إلى أنّ المصاب بالتهاب الكبد ب المزمن أكثر عرضة للإصابة بتشمّع الكبد، أو السرطانة الخلوية الكبدية (Hepatocellular carcinoma) -إحدى أنواع سرطان الكبد الأساسيّ-، وتختلف الأعراض في هذه الحالة باختلاف مقدار الضّرر الذي تعرّض له الكبد.[5][7]
تظهر لدى المصاب في بعض حالات تضرّر الكبد الشديد أعراض متنوّعة تختلف من شخص لآخر:[6]
- الاعتلال الدماغي الكبدي (Hepatic encephalopathy).
- اليرقان.
- استسقاء بطني (Ascites)، أي تجمُّع السوائل في الكبد.
- النزف الهضمي (Gastrointestinal bleeding) الناجم عن دوالي مريئيّة، أو عدوى، أو اعتلال خثري (Coagulopathy).
انتقال فيروس التهاب الكبد B
قد يحتفظ فيروس التهاب الكبد الوبائي b بنشاطه وقدرته على التسبّب بالعدوى عند تواجده على الأسطح الرطبة في درجة حرارة الغرفة لمدّة تصل إلى عِدة أسابيع، الأمر الذي يستدعي الاهتمام بتعليمات الصحة والسلامة العامّة لتقليل انتشار العدوى،[8] وعمومًا، ينتقل فيروس التهاب الكبد ب من شخصٍ لآخر بطرقٍ مختلفة:[5][8]
- التعرّض لسوائل الجسم أو الدماء المُلوّثة بالعدوى.
- ولادة طفل لأم مصابة بالعدوى، وعلى الرغم من أنّ معظم حالات انتقال الفيروس إلى الطفل تحدث خلال مرحلة الولادة، فإنّ العدوى قد تنتقل إلى الجنين في حالات نادرة أثناء وجوده في الرحم.
- الزواج من شخص مصاب بعدوى فيروس التهاب الكبد ب.
- التعرّض للوخز بإبرة ملوّثة بالعدوى، أو التعرّض لجرح بأداة حادّة تحمل العدوى.
عوامل خطورة الإصابة بالتهاب الكبد B
تزيد بعض العوامل من خطورة الإصابة بعدوى التهاب الكبد ب:[4]
- الإصابة بالعدوى المنقولة جنسيًّا (Sexually transmitted infection).
- العمل في مجال الصّحة العامّة.
- الإصابة بمرض السكري للأشخاص دون 60 عامًا.
- تعاطي حقن المخدرات.
- التواجد في المراكز الإصلاحيّة، والأماكن التي توفّر خدمات لمتعاطي المخدرات.
- الاحتكاك المباشر بين أفراد أسرة الشخص المُصاب بالتهاب الكبد الوبائي ب.
- الشذوذ الجنسي.
- السفر إلى مناطق تفشّي عدوى فيروس التهاب الكبد ب.
- الوصول لمراحل متقدّمة من مرض الكلى، والخضوع لغسيل الكلى.
- الإصابة بفيروس عوز المناعة البشري (HIV)، المعروف بالإيدز في مراحله الأخيرة.
- الإصابة بمرض الكبد المزمن، أو التهاب الكبد سي.
علاج التهاب الكبد B
لا يحتاج كافّة المصابين بالتهاب الكبد الوبائي ب للعلاج،[9] إذ يتعافى حوالي 95% من الأشخاص البالغين الأصحاء (لديهم جهاز مناعي سليم) تلقائيًّا ودون تدخّل علاجي بعد إصابتهم بالتهاب الكبد ب الحادّ، ولكن قد يفيد تلقّي العلاج عند ظهور علامات وأعراض الإصابة بمرض في الكبد، وظهور العدوى النشِطة خاصةً في حالات التهاب الكبد المزمن، ومع ذلك، يُعرف بأنّ الأدوية المُستخدمة في الفترة الراهنة لا يمكنها المساهمة في التعافي من المرض المزمن والشفاء منه كليًّا، بل يحتاج المريض لاستخدامها فتراتٍ طويلة حتى تمكّنه من السيطرة على المرض، إذ يهدف العلاج في حالات التهاب الكبد ب إلى:[6][10]
- إبطاء تطور تشمع الكبد، أو منع تطوره.
- تثبيط تكاثر الفيروس داخل الجسم.
- تخفيف الالتهاب في الكبد.
- تقليل خطورة الإصابة بسرطان الكبد، أو غيره من المضاعفات الخطِرة.
- تقليل خطورة نقل العدوى إلى الأخرين.
- تحسين نوعيّة الحياة، وزيادة فترة النجاة.
في الحقيقة يعتمد تحديد العلاج الملائم على نشاط مرض الكبد وشِدته لدى المصاب، وعلى توقّعات الإصابة بتشمع الكبد أو سرطان الكبد (HCC) بالمستقبل،[9] وعليه تتوفر مجموعة من الخيارات العلاجية التي قد يلجأ الطبيب لاستخدامها في حالات التهاب الكبد:
- العلاج الدوائي: لا يتوفّر في الوقت الحاليّ أدوية مخصّصة لعلاج التهاب الكبد ب الحادّ، ولكن طُوِّرت أدوية مخصّصة لبعض حالات التهاب الكبد ب المزمن،[3][10] كما هو الحال مع دواء إينتيكافير (Entecavir)، وأديفوفير (Adefovir)، وإنترفيرون ألفا (Interferon alfa-2b)، وبيغنتيرفيرون – ألفا – 2أ (PEG-IFN-a 2a)، كذلك دواء تينوفوفير ألافيناميد (Tenofovir alafenamide) و "تينوفوفير ديسوبروكسيل فيوميرات" (Tenofovir disoproxil fumarate)، ولاميفودين (Lamivudine).[3]
- زراعة الكبد: تعدّ زراعة الكبد الخيار الأساسي المُستخدم لعلاج مرض الكبد المتقدم الناجم عن الإصابة بالتهاب الكبد ب، كذلك في علاج المرضى الذين يعانون من القصور الكبدي الخاطف (Fulminant hepatic failure)، أو ما يُعرَف بالقصور الكبدي الحاد، والذين لا تظهر لديهم علامات التعافي.[3]
- تعديل نظام الأكل: يُنصَح المصابون بالتهاب الكبد ب بالامتناع عن تناول الكحوليات، واللجوء للعلاج الداعم للسيطرة على الأعراض، وتحسين جودة الحياة،[5] كما يوصي الطبيب في بعض حالات تشمع الكبد "اللامعاوَض" (Decompensated cirrhosis)، وهو تشمع الكبد المتقدم، باتباع مجموعة من النصائح في ما يخصّ الوجبات:[3]
- التقليل من شرب السوائل إلى أقل من 1.5 لتر في اليوم في حالات نقص صوديوم الدم (Hyponatremia).
- تناول أطعمة منخفضة الصوديوم.
- تناول وجبات الطعام التي تحتوي على نسب مرتفعة من البروتين، كالدجاج، والديك الرومي، والأسماك.
لقاح فيروس التهاب الكبد B
بدأ استخدام لقاح فيروس التهاب الكبد ب منذ عام 1982 ميلادي، وقد أدى استخدامه إلى حدوث انخفاض كبير في معدّل الإصابات على مستوى العالم، إذ يعدّ اللقاح الوسيلة الأكثر فعاليّة ومأمونية في الوقاية من فيروس التهاب الكبد ب،[11] وعليه، توصي منظمة الصحة العالميّة (WHO) بضرورة تلّقي بعض الفئات لقاح فيروس التهاب الكبد ب:[10][11]
- كافّة الأطفال الرضّع عند ولادتهم، ويتوجّب إعطاء الطفل الجرعة الأولى من اللقاح خلال أقل من 24 ساعة بعد ولادته لتحقيق أقصى حماية له ضدّ انتقال العدوى من الأم.
- الأطفال والمراهقين في حالة عدم تلقيهم اللّقاح مسبقًا عند ولادتهم.
- البالغين الأكثر عرضة للإصابة بفيروس التهاب الكبد B، كالحالات التي يخضع فيها الشخص للغسيل الكلوي، أو يعمل في مجال الرعاية الصحيّة، أو يتعاطي المخدرات بواسطة الحقن، أو يقيم علاقة جنسيّة مع مصاب بالعدوى، أو غير ذلك.
يُعطى اللقاح إلى جانب الجلوبيولين المناعي ضد التهاب الكبد البائي (Hepatitis B immune globulin or HBIG) للوقاية من التهاب الكبد ب بعد التعرّض للعدوى، كما في حالة ولادة طفل لأم مصابة بعدوى فيروس التهاب الكبد ب، أو في حال ملامسة أغشية مخاطية لدى شخص مُصاب، أو الشك في انتقال العدوى من شخص آخر.[5]
نصائح الوقاية من فيروس التهاب الكبد B
يُوصى باتباع مجموعة من النصائح التي قد تساهم في تقليل خطورة الإصابة بالعدوى:[5][6]
- تجنّب السلوكيات التي تزيد من خطورة الإصابة بالعدوى، كمشاركة الحقن، أو أدوات الحلاقة، أو فراشي الأسنان، أو فرشاة الشعر مع الآخرين.
- تجنب عمليات نقل الدم غير الضروريّة، والحرص على خضوع جميع المتبرعين بالدم للفحص الذي يكشف عن عدوى التهاب الكبد ب والتهاب الكبد سي.
- تنظيف بقايا سوائل الجسم والدم باستخدام المبيّض (الكلور).
- تلقّي اللقاح في حالة ارتفاع خطورة للإصابة بالعدوى.
- تثقيف الآباء والأمهات حول أهميّة إعطاء اللقاح للطفل، وتوضيح المُعتقدات الخاطئة حول المطاعيم (بالأخص بين سكان المناطق الموبوءة).
- تقديم الاستشارة اللّازمة للمرضى وتثقيفهم حول أهميّة تجنّب السلوكيات التي قد تعرّضهم للإصابة بالعدوى.