كوفيد-19 قد يتسبّب بالاكتئاب،،، دراسات جديدة ضمّت بعض الدول العربيّة

ألقَت أزمة كوفيد-19 بظلالها على العالم أجمَع وأثرّت عليه سلبًا من جوانب عدّة، إذ إنّ خوف الناس من التقاط العدوى والإصابة بفيروس كورونا المُستجد SARS-CoV-2 بات هاجسًا يُرعب الكثيرين ويقضُّ مضاجعهم، يُرافق ذلك خوفهم من فقدان الأشخاص المُقرّبين من كِبار السّن أو ممّن يُعانون من مشاكل صحيّة مختلفة تُخلخل دفاعاتهم المناعيّة وتجرُّها لأدنى مستوياتها ما يجعل لفيروس كورونا المُستجَد منفذًا وسبيلًا يُجهِز من خلاله على أجساد هؤلاء ويُرديهم طريحي الفراش وغُرف العناية الحثيثة لأيام وأسابيع، أحيانًا.

فوق هذا وذاك، زادت جائحة كوفيد-19الأمر سُوءًا حينما بدأت الكثير من الدُول الكشف عن أضرارها الاقتصاديّة المَهولة؛ فقد كان تأثير الحظر الشامل الذي فُرِض على المواطنين خلال الأشهر الأُولى من العام الحاليّ له من الأضرار ما له، وجاءت الخسائر التي تكبّدها المجتمع -اقتصاديًا واجتماعيًا- فادحة، ناهيك عن الخسائر في الأرواح التي اجتازت حاجز المليون وفاة حول العالم، ليتسبّب كُل هذا بأذىً نفسيّ بدأت تظهر عواقبه في خضّم تسارُع الأحداث التي نشهدها جرّاء تغيُّر الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة، إلى جانب التشديدات الضروريّة المُنبثقة عن اجتياح فيروس كورونا المُستجَد واستباحته أجساد أعدادٍ ضخمة من سكان هذا العالم وصلت في آخر إحصائيّة مُسجّلة إلى 59 مليون شخص تقريبًا؛ إذ إنّ الإجراءات التي عمّمتها مُعظم دول العالم على مواطنيها تراوحت بين الحجر الصحيّ والعزل المنزليّ وغيرها من التعليمات الصارمة التي غيّرت معالم الحياة الطبيعيّة التي اعتادها الناس، وهو ما تسبّب بآثارٍ سلبيّة على الصحّة النفسيّة لغالبيّة الأشخاص تحت وطأة تأثير هذه الجائحة التي ما زالت تغرس مخالبها في كافّة الجوانب الحياتيّة.

حاليًا لا يتوافر أيّ لقاح فعّال أو علاجٍ شافٍ من كوفيد-19، ما يقود السُلطات المَعنيّة بمصالح شعوبها التمسُّك بتطبيق المعايير والإجراءات التي أقرّتها كل المنظمّات الصحيّة حول العالم والتي تتمثّل بالتباعد الاجتماعي، التعقيم المُستمر وارتداء الكِمامات في الأماكن العامّة وعند الاحتكاك المباشر مع الأشخاص، إلى جانب التقيُّد التام بتعليمات الحجر الصحّي وعدم مُخالطة أيّ شخص في حال الاشتباه بإصابته لمدّة 14 يومًا.

استشارة نفسية اونلاين مع طبيب نفسي

الاكتئاب أحَد عواقب كوفيد-19، ويجب الحذر

يُواصل فيروس كورونا المُستجَد إحكام قبضته على كافّة نواحي الحياة في العديد من الدول حول العالم، ولعلّ القِسم الأكبر من العواقب السلبيّة لمرض فيروس كورونا "كوفيد-19" كان من نصيب الدول الناميّة ذات المصادر المحدودة والتي كانت تُعاني قبل أن تجثُم هذه الجائحة على صدرها وتُغيِّر من مُخطّطاتها.

اضطرّت العديد من الدُول أن تُعلن الحظر الشامل في ابريل وأيار المُنصرمين بعد الإعلان عن تصنيف فيروس كورونا المُستجَد على أنّه جائحة عالميّة تستدعي أخذ تدابير طبيّة وقائيّة إلى حِين السيطرة على الوباء وتقليل أعداد المُصابين بالقدر المُستطاع وبِما تواجَد من حُلول.

الآن، وبعد انقضاء ما يُقارب إحدى عَشَر شهرًا على الجائحة، ما زالت الدول تتكبّد خسائر مؤلمة في الأرواح، إلى جانب الأضرار الأُخرى التي بدأت تتكشّف تِباعًا على كافّة الصُعُد، ولعلّ من أبرز ما باتت تُوّجَه إليه أنظار الباحثين مؤخرًا هو التأثير النفسي لكوفيد-19 على الناس بشكلٍ عام، إذ قام فريقٌ بحثيّ بإجراء دراسة تستهدف تقييم الأثر النفسي لكوفيد-19 على ما يُقارب 957 شخص في مدينة "سويتو" في جنوب إفريقيا، وقد أشارت النتائج إلى وجود علاقة قويّة بين كوفيد-19 وارتفاع معدل ظهور أعراض الاكتئاب، خصوصًا لدى الأشخاص الذين قد سبَق وأن تعرّضوا لاضطرابات أو صدمات نفسيّة أثناء طفولتهم، وقد أعرب ما نسبته 10% إلى 20% من الأشخاص المشمولين في الدراسة عن مرورهم بنوبات قويّة من القلق والخوف الناجمَين عن التفكير المُستمر في الجائحة الحاليّة وما قد تجرُّه على حياتهم.

تجدُر الإشارة إلى أنّ معظم سكّان جنوب إفريقيا يعيشون ظروفًا اقتصاديّة صعبة بسبب البطالة والفقر، ما يعني بأنّ نسبة كبيرة من هؤلاء تعيش في عشوائيّات ومُجتمعات مُكتظّة، وهو ما يُصعّب قدرتهم على الالتزام بمعايير الصحّة المُتبّعة للوقاية من كوفيد-19 مثل تعقيم الأيدي المُستمر والتباعد الاجتماعي، إلى جانب ارتفاع معدل انتشار بعض الأمراض المُزمنة التي تزيد من فُرص الإصابة بكوفيد-19، إذ يحمل ما يُقارب من 7.9 مليون شخص في جنوب إفريقيا فيروس نقص المناعة البشريّة HIV بينما تُقدّر أعداد المُصابين بمرض السُل بــِ 250000، وهو يُشكّل عبئًا إضافيًا يُثقل كاهل المنظومة الصحيّة في البلاد ويُقيّد من قدرتها على تقديم الرعاية المطلوبة لمعظم هؤلاء المرضى، خصوصًا في ظلّ القيود المفروضة على التنقُّل ما يُصعّب الوصول لمراكز الخدمات الصحيّة للحصول على الرعاية اللازمة والمُعتادة.

استهداف جنوب إفريقيا في هذه الدراسة يُوجّه الأنظار للدول التي تُقاربها في الظروف، وهي عديدة، إذ إنّ الجوع، العنف، الفقر والبطالة توّغلّت في دولة مثل جنوب إفريقيا وغيرها من الدول لتُشكّل بيئة خصبة لانتشار الاضطرابات النفسيّة المُختلفة مثل الاكتئاب والقلق وغيره، بالتالي فإنّ فيروس كورونا المُستجد استطاع أن يتسبّب بأضرار نفسيّة لدولة تشهد إصابة واحد بين كُل 3 أشخاص بأحَد الاضطرابات النفسيّة بمرحلة ما من حياتهم، وقد أشارت الدراسة إلى أنّ 47% من سكان جنوب إفريقيا هُم مُهدّدون بخطر الإصابة بأحد الأمراض النفسيّة، خصوصًا بعد إجراءات العزل التي شهدتها البلاد في خضّم الموجة الأُولى والثانية من كورونا.

مثل هذه الدراسة وغيرها تكمُن أهميّتها في قدرتها على تسليط الضوء على العواقب النفسيّة التي ستعقُب جائحة كورونا، ما يدعو إلى ضرورة تضافر الجهود لتطوير القطاعات الصحيّة وإعطائها الأولويّة حتى تستطيع تخطّي ما قد تُواجهه في المستقبل القريب.

كوفيد-19 يضرب الدول العربيّة نفسيًا

في دراسة أُجريت على عددٍ من الدول العربيّة (مصر، الكويت، السعودية، العراق، الجزائر، الاردن وفلسطين) لتقييم مدى الأثر النفسي الذي خلّفته -وما زالت- جائحة كورونا على القاطنين في هذه الدول، أظهرت بأنّ القلق الرضحي (المُرافق أو التالي للصدمات) الناجم عن كوفيد-19 كان له تأثير سلبي على الصحّة النفسيّة لساكني هذه الدول أكثر من التأثير الذي استطاعت أن تُخلّفه أيّ من الاضطرابات النفسيّة الأُخرى مثل: الضغوطات وعوامل القلق والإجهاد، اضطراب ما بعد الصدمة أو الاكتئاب.

وقد تفاضلَت نِسَب التأثيرات النفسيّة لجائحة كورونا بين الدول العربيّة التي شملتها الدراسة تِبعًا لمعدلات دخل الأفراد إلى جانب متوسط الأعمار، وبالطبع كان للصِراعات والحروب التي تعيشها المنطقة ككُل تأثيرًا إضافيًا على سكان هذه الدول ممّا زاد من الأعباء النفسيّة المُلقاةِ عليهم، فقد بيّنت نتائج الاستبيانات التي وُزِّعت على الأشخاص المُستهدفين من الدراسة بأنّ الخوف من الوقوع كضحايا لكوفيد-19 في الحاضر أو المستقبل أو من إصابة أحَد المُقرّبين وربمّا فقدانهم للأبد بسبب هذه العدوى قد شَغل حيّزًا كبيرًا من تفكيرهم، ما تَسبّب بارتفاع معدل الاضطرابات النفسيّة خصوصًا في الدول ذات الكثافة السُكّانيّة العاليّة مثل مصر، بينما ارتبطت معدلات الأمراض النفسيّة المُرتفعة مثل الاكتئاب والقلق في ظلّ جائحة كورونا مع ازدياد نسبة كِبار السّن في دولٍ أُخرى، مثل لبنان الذي يضُّم شريحة واسعة من كِبار السّن ممّن تفوق أعمارهم 65 عامًا بنسبة 10%، وهي النسبة الأعلى بين الدول العربيّة، يُذكَر بأنّ كِبار السّن هُم أحد أكثر الفئات المُعرّضة للإصابة بكوفيد-19.

تجدُر الإشارة إلى أنّ الإحصائيّات تُشير إلى أنّ معدل وفيات كوفيد-19 في الدول ذات الدَخل المنخفض فاقت تلك التي سُجّلت في الدول المُتقدّمة، ما قد يؤدّي إلى عواقب سلبيّة على الصحة النفسيّة بنِسَب أعلى، وقد أوصَت الدراسات والأبحاث المُختلفة إلى ضرورة استحداث إجراءات وبرامج جديدة تُساعد المُتضرّرين نفسيًا من عواقب جائحة كورونا كأن يتّم تفعيل دور التطبيب عن بُعد وغيرها من الحُلول، لعلّ الأوضاع تتحسّن إلى أن تنقشع غمامة العدوى التي أظلمت سماء الكَون وعرقلت عجَلة الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

اقرأ أيضًا:

-----------------------------------

كتابة: ليلى عدنان الجندي، بتاريخ: 24 نوفمبر 2020

-----------------------------------

المراجع

  1. KIM A, Nyengerai T. and Mendenhall E. 2020. Evaluating the mental health impacts of the COVID-19 pandemic: perceived risk of COVID-19 infection and childhood trauma predict adult depressive symptoms in urban South Africa. Psychological Medicine. P: 1-13. Retrieved from https://www.cambridge.org/core/services/aop-cambridge-core/content/view/20ACB68CB7A2580F11502AFBDDDF709B/S0033291720003414a.pdf/evaluating_the_mental_health_impacts_of_the_covid19_pandemic_perceived_risk_of_covid19_infection_and_childhood_trauma_predict_adult_depressive_symptoms_in_urban_south_africa.pdf
  2. Shuwiekh H, et al. 2020. The differential mental health impact of COVID-19 in Arab countries. Current Psychology. Retrieved from https://link.springer.com/article/10.1007/s12144-020-01148-7
  3. Khoury R. and Karam G. 2020. Impact of COVID-19 on mental healthcare of older adults: insights from Lebanon (Middle East). Int Psychogeriatr. P: 1-4. Retrieved from https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC7205551/
  4. Johns Hopkins University. 2020. COVID-19 Dashboard by the Center for System Science Engineering (CSSE). Retrieved from https://coronavirus.jhu.edu/map.html
  5. Abdool Karim S. 2020. The South African Response to the Pandemic. N Engl Med. Retrieved from https://www.nejm.org/doi/full/10.1056/NEJMc2014960

#كوفيد-19 #الأمراض النفسيّة #الاكتئاب #طبيب نفسي اونلاين