الصحة النفسيّة وكوفيد-19

تعيش معظم دول العالم حالة جديدة لم تعهدها من قبل، فقد ألقت جائحة كوفيد-19 بظلالها على كُل بيت وغيّرت كثيرًا من مُعطيات سَير الحياة اليوميّة، وقد مثلّ كلٌ من شُّح الموارد الطبيّة المُتعلّقة إمّا بالتشخيص أو التدابير الوقائيّة أو العلاجيّة، الخسائر الاقتصاديّة الفادحة، التعليمات الصّارمة التي فرضتها السلطات في كل بلد بفرض الحظر الشامل وإيقاف جُل مظاهر الحياة اليوميّة، خطوة زادت من العِبء النفسي المُلقَى على كاهل الكثيرين، ما جعلهم أكثر عُرضة للإصابة بالاضطرابات العاطفيّة والمعاناة من بعض الأمراض النفسيّة بالتزامن مع كُل ما يصِل عن كوفيد-19 من معلومات.

وبحسب دراسة نَشِرت في مجلة New England Journal for Medicine فإنّ القوانين المفروضة حاليًا (والتي يُقصَد بها سلامة الأفراد والمُجتمعات) كانت ذو انعكاسات ملحوظة على كُل من الأفراد والمُجتمعات، فأصبح العديد يشعرون بنوعٍ من العُزلة العاطفيّة والارتباك نتيجة ما حدَث من إيقاف العمل في المدارس والشركات والمرافق العامّة وغيرها من التدابير غير الاعتيادية بالنسبة لسكّان الدول، وهو ما قد يكون –بحسب الباحثين لذات الدراسة- ذو أثرٍ سلبي ينجم عنه العديد من ردود الفعل التي قد تكون إمّا ردود فعل عاطفيّة غير متوازنة أو سلوكات غير صحيّة عبر الإفراط بتناول بعض المواد أو عدم الامتثال للتوجيهات المُتعلّقة بالصحّة العامّة بضرورة التزام البيوت وأخذ الأدوية واللقاحات المطلوبة في الحالات التي تستوجب ذلك.

وفي حين يرى البعض موضوع الصحّة النفسيّة أمرًا مُبالغًا فيه وبعيد عن الواقع بمثل هذه الظروف، إلّا أنّ الخبراء في هذا الشأن يؤكّدون بأنّ اجتياح الكوارث للدول ينجُم عنه إصابة الناس بعد ذلك بنوعٍ من الاضطرابات النفسيّة، وعلى الرغم من أنّ البعض الآخر يستطيع استخلاص أفضل وأقوى ما فيه بعد مثل هذه الأزمات، إلّا أنّ البعض الآخر لا يِقوى على ذلك ويُصاب بما يُسمّى باضطراب ما بعد الصدمة، لكن التصنيفات المُعتمدة لتشخيص مثل هذا الاضطراب لا تشمل الظروف الصحيّة الناجمة عن عوامل طبيعيّة مثل العدوى الفيروسيّة، لِذا فإنّ الاختصاصيين يُشيرون إلى أنّ مثل هذه الظروف -مثل جائحة كوفيد-19- قد تتسبّب ببعض الأمراض النفسيّة مثل: الاكتئاب واضطرابات القلق.

بالطبع، هناك فئات غالبًا ما تكون معرّضة للإصابة بمثل هذه الانعكاسات النفسيّة السلبيّة آنفة الذِكر أكثر من غيرها نظرًا لعوامل متعدّدة، فمثلًا في جائحة كوفيد-19 وُجِد الأشخاص الأكثر عُرضة للإصابة بالمرض (كِبار السّن، ذوو المناعة الضعيفة) والأشخاص المُصابين بأحد الأمراض المزمنة أو النفسيّة هُم الأكثر عُرضة للإصابة بالأمراض النفسيّة. أيضًا، فقد كان الأطبّاء ومُزوّدي الرعايّة الطبيّة كافّة أكثر عُرضة من غيرهم للإصابة باضطرابات عاطفيّة؛ وذلك نتيجة أولًا خوفهم على أنفسهم من التقاط العدوى ومن ثمّ التسبُّب بإصابة أحبّائهم نتيجة احتكاكهم المباشر معهم، إضافة إلى طبيعة عملهم التي تقتضي العمل لساعات طويلة متعرّضين لعددٍ من الضغوطات الناجمة عن إمّا ضرورة اتّخاذ قرارت صعبة بحق المَرضى أو ضرورة التعامل وإيجاد الحُلول مع نقص المعدّات والأجهزة وغيرها من المُستلزمات الضروريّة في الأزمة.

أمّا فيما يتعلّق بالفئات المُتبقيّة التي خضعت لتطبيق فرض الحظر الشامل، فقد واجهت واقعًا تعيشه للمرة الأُولى من خلال ضرورة البقاء في البيت إمّا بغرض العزل أو الحجر الصحّي أو البقاء للوقاية والتقيُّد بالتعليمات الجَمعيّة، وهو بالطبع كان ذو أثرٍ واضح على العديد من هؤلاء ممّن لم يعتادوا على المكوث داخل المنزل وبهذا الواقع الجديد، وفي دراسة تمّ إجراؤها مؤخرًا للتحقُّق من العقبات النفسيّة على عيّنة من مُزوّدي الرعاية الصحيّة والأشخاص في الحجر الصحّي قد تبيّن تعرُّضهم للعديد من الآثار النفسيّة منها: التوتر، الاكتئاب، الخوف، الارتباك، الغضب، الأرق، الإحباط والملل، وقد رافقت هذه الآثار النفسيّة بعضًا منهم حتى بعد مغادرتهم للحجر الصحّي.

ولإيجاد الحلول لا بُدّ من إخضاع هؤلاء المرضى للرقابة الطبيّة المُتخصّصة، لكن نظرًا لِما تُعانيه المُجتمعات في الوقت الحالي من الحظر وفرض قوانين حظر التجوُّل بسبب جائحة كوفيد-19، فقد قفزت في العديد من البلدان فكرة الطب عن بُعد، وهُو ما يُتيح للمرضى استشارة أطبّائهم النفسيين دون الحاجة للوصول للمُنشآت الصحيّة التي بات معظمها مكتّظًا بحالات قد تتسبّب بالعدوى لهؤلاء الأشخاص، إذ يكفي التسجيل أو الدخول لأحد التطبيقات المُتخصّصة في هذا الشان وحجز موعد مع الطبيب ومحادثته بشكل مرئي ومسموع عن بُعد.

نتيجةً لكل ما سبق فإنّ الحاجة لتحديث الأنظمة الصحيّة والإتكّاء على ضرورة الاعتناء بالجوانب النفسيّة للمرضى خلال هذه الجائحة إلى جانب الرعاية الطبيّة اللازمة يُعدّ خطوة إيجابيّة في تجنيب المُجتمعات بعضًا من الأضرار النفسيّة التي تلحق بالكثير من الفئات بسبب الواقع الجديد المفروض والذي يهدِف في المقام الأول الحِفاظ على الصحّة العامّة ومنع تفشّي الفيروس، إلّا أنّ كُل واقع جديد يحتاج لخطط تشمل جُل العقبات التي تتفتّق شيئًا فشيئًا ويحتاج بالطبع للتكيُّف والتأقلم إلى حين التغلُّب على هذا الفيروس المُستجد وإضعاف حلقته ومنعه من الانتشار.

المصدر:

  1. Pfefferbaum, B. and North, C. (2020).Mental Health and the Covid-19 Pandemic. NEJM. Retrieved from https://www.nejm.org/doi/full/10.1056/NEJMp2008017?query=featured_home

#كوفيد-19 # الصحّة النفسيّة #الطب عن بُعد