علماء ينجحون في طباعة عظام بشريّة ثلاثيّة الأبعاد لأول مرة من خلايا حيّة وبدرجة حرارة الغرفة العادية

لطالما راود الكثير من الباحثين والعلماء حول العالم حلُم التوصُّل لطريقة تَحُل مشكلة زراعة الأعضاء البشريّة وتعويض التالف منها لدى الكثير من المرضى، وذلك من خلال الحصول على أعضاء من ذات الخلايا الخاصّة بالمريض كي يتخطّى عقبة تقبُّل الجسم للأنسجة الجديدة وقتل كل الاحتمالات التي قد تُهيِّىء رفض الخلايا المناعيّة لهذا العضو الغريب والذي يتحتّم على المريض أن يحتويه بين أحشائه لحاجته الشديدة له.

مؤخرًا، استطاع مجموعة من الباحثين العاملين في جامعة جنوب ويلز الجديدة "نيو ساوث ويلز" في استراليا من تحقيق تقدُّم يُشار له بالبنان؛ إذ تمكَّن الباحثون بقيادة البروفيسور كريستوفر كيليان من بناء خلايا عظميّة باستخدام خلايا جذعيّة مأخوذة من الشخص نفسه، ما أزاح الفرضية التي تؤرِّق الجرّاحين من إمكانيّة تقبُّل الجسم من عدمها للخلايا الجديدة.

التقنية الجديدة التي أخذت اسم "الطباعة الحيويّة السيراميكيّة متعدّدة الاتجاهات في المُعلَّقات الخلويّة" Ceramic Omnidirectional Bioprinting in Cell Suspensions (COBICS) ليست حديثة العهد، إنمّا سبق وأن استخدِمت التقنية ثلاثيّة الأبعاد في طباعة الأنسجة الحيويّة التابعة لأعضاء مُختلفة في الجسم، إلّا أنّ ميزة هذا البحث الجديد تكمن في أنّ بناء التركيب العظمي كاملًا يعتمد على خلايا حيّة استطاعت التصلُّب عند درجة حرارة الغرفة خلال دقائق، دون الحاجة لاستخدام مواد كيميائيّة ذات مفعول قوي قد ينطوي على مُضاعفات سلبيّة للجسم، أيضًا تتيح هذه التقنية إمكانيّة أن تتشكَّل الخلايا مباشرة في التجاويف العظميّة التي تحتاج لأن تمتلىء بالخلايا والأنسجة التي تتناسب معها.

كيفيّة طباعة العظم بالتقنية ثلاثيّة الأبعاد؟

اعتمدت الطريقة التي اتبّعها باحثو جامعة "نيو ساوث ويلز" على بَثق الحبر الحيوي -المكوّن من فوسفات الكالسيوم- في جزيئات دقيقة من "الهيدروجِل" والخلايا الحيّة -المأخوذة من نفس الشخص- ثمّ يندفع الحبر عبر فوّهة الطابعة بقوّة مُعيّنة داخل حمّام داعم يكون بحالة صلبة حتى يقتحمه الحبر الحيوي المدفوع، يتبع ذلك ارتباط الخلايا الجذعيّة المُتواجدة في الحمام مع السقالة Scaffold المطبوعة -عبارة عن هيكل يعين الخلايا على النمو- لتتمايز بعد ذلك وتتحوَّل لخلايا عظميّة بمساعدة المواد المُضافَة ذات الخواص المُميّزة؛ إذ يتحوَّل الحبر الحيوي (غير العضوي) لجزيئات نانويّة كريستاليّة مُتراصّة ميكانيكيًا من أباتيت Apatite العظم، بما يُعرَف بتمعدُن العظم، داخل وسط مائي.

تجدر الإشارة إلى أنّ الأباتيت هي بلورات تدخل في تركيب العظام وتتكوَّن من الكالسيوم والفوسفات وتُشكِّل ثلثي كتلة العظم الجاف.

ما هو مبدأ عمل الطباعة الحيويّة ثلاثيّة الأبعاد؟

تعتمد الطباعة الحيويّة ثلاثيّة الأبعاد التي يعتمد عليها الباحثون في مُحاكاتها لتكوين أنسجة بشريّة باستخدام حبر خاص، على المبادىء والخطوات التالية:

  1. بناء مُجسّم ثلاثي الأبعاد للعُضو أو النسيج المُستهدَف بواسطة برمجيّات خاصّة بمعاونة الحاسوب مثل برامج "الأتوكاد" CAD وغيرها أو عبر إجراء مسح إشعاعي للنسيج باستخدام أحَد تقنيات التصوير الإشعاعي (التصوير المقطعي المُحوسب CT، التصوير بالرنين المغناطيسي MRI أو الأشعة السينيّة X-rays)، بعد الحصول على البينات المطلوبة وتشكيل نموذج ثلاثي الأبعاد للنسيج أو العضو يخضع لسلسلة من الخطوات بحيث يتّم معالجة البيانات وتقسيم المُجسّم ثلاثي الأبعاد إلى شرائح أفقيّة ثنائيّة الأبعاد باستخدام برامج معيّنة وفقًا للطريقة المُراد استخدامها في الطباعة الحيويّة المَنوي إجراءها.
  2. اختيار مادّة الحبر الحيوي الأنسب، وهي عبارة عن مادّة تختلف باختلاف المَهمّة المُراد توجيهها لها لتتواءم حيويًا وميكانيكيًا مع الغرض المصنوع من أجله، وغالبًا ما يكون الحبر الحيوي المُستخدَم في الطابعات الحيويّة عبارة عن خليط من الخلايا وعوامل مُحفّزة للنمو مُحمَّلة في هُلام مائي "هيدروجيل" Hydrogel.
  3. التحقُّق من توافق المعايير التي تمّ إدخالها لبرنامج الطباعة الحيويّة مع التشكيل ثلاثي الأبعاد المُراد إنتاجه، تبدأ بعد ذلك عمليّة الطباعة بإشراف ومتابعة من الشخص أو الفريق المُتخصِّص لتوكيد سَير العمليّة بدقّة كما الأوامر المُعطاة لها وللتدخُّل السريع في حال حدوث مشكلة ما.
  4. تفعيل دور الخلايا المُكوِّنة للأنسجة أو الأعضاء أُنتِجت بأداء أدوارها الموازيّة لتلك الطبيعيّة داخل الجسم؛ من خلال الاتكّاء على التحفيز إمّا الكيميائي أو الفيزيائي بعد تجميع الخلايا المُشتّتة الناتجة ووَصلها مع بعضها البعض.

استخدامات وتطبيقات الطباعة الحيويّة

يمكن للطباعة الحيويّة إذا ما استطاعت تخطِّي العقبات التي تواجهها وحل مشاكل هذه التقنية بأن تغزو العديد من المجالات الطبيّة وتُحقِّق نجاحات باهرة في عدد من الجوانب، منها:

  • "نمذجة الأمراض"؛ بمعنى يمكن فهم كُنه بعض الأمراض وطريقة تطوُّرها، إلى جانب إتاحة الفرصة لاختبار عدد من الطرق العلاجيّة المُحتملة.
  • بحوث الأدوية.
  • الطب الترميمي وهندسة الأنسجة.
  • بحوث الأورام.

أمّا في حالة استخدام الطباعة الحيويّة في إنتاج خلايا عظميّة كما في الدراسة الآنف الإشارة إليها، فإنّ العوائد الإيجابيّة تتمثَّل في كل ممّا يلي:

  • إمكانيّة إصلاح العظم المُتضرِّر في حالات السرطان أو الكسور أو الإصابات المباشرة دون الحاجة لأخذ قطعة عظم من مكان آخر في الجسم.
  • إصلاح المشاكل الغضروفيّة العظميّة التي قد تتسبّب بآلام مزمنة خصوصًا لدى الرياضيين.

التسلسل الزمني لتطوُّر الطباعة الحيويّة ثلاثيّة الأبعاد

الطباعة الحيوية ثلاثيّة الأبعاد التي ذاع صيتها مؤخرًا لا تُعدّ حديثة العهد البتّة، إنمّا كانت البداية قبل عقودٍ مضَت بالتسلسل الآتي:

1984: شهِد هذه العام ولادة ما يُعرَف بالطباعة الحجرية المجسمة Steriolithigraphy (SLA).

1988: إجراء الطباعة الحيويّة ثنائية الأبعاد لأول مرة عبر التوجيه الدقيق للخلايا.

1996: مُلاحظة قدرة الخلايا على الالتصاق مع بعضها البعض، وذلك أثناء مراقبة تكوُّن وتطوُّر الجنين.

1999: الاستخدام الأول للتنميط ثلاثي الأبعاد للخلايا الحيّة بواسطة تكنولوجيا الليزر.

2001: استخدام السقالات الصناعيّة في الطباعة الحيويّة ثلاثيّة الأبعاد.

2002: أول طباعة حيويّة ثلاثيّة الأبعاد تعتمد على التشكيل بالبَثق Extrusion.

2003: تصميم أول طابعة حيويّة نافثة للحبر بعد إجراء تعديلات على طابعة تقليديّة من نوع HP.

2004: عرض أنسجة ثلاثيّة الأبعاد.

2009: تصنيع هياكل وعائيّة بدون سقالات.

2012: إجراء طباعة حيويّة موضعيّة على الحيوانات لكبد صناعي وغضروف مفصلي.

2015: طباعة تراكيب أنبوبيّة باستخدام التكنولوجيا المحوريّة.

2016: إجراء الطباعة الضوئيّة السريعة والمتواصلة ثلاثيّة الأبعاد اعتمادًا على المعالجة الرقميّة للضوء DLP.

---------------------------------------

كتابة: ليلى عدنان الجندي، بتاريخ: 7 فبراير 2021.

---------------------------------------

المراجع

  1. Romanazzoo S, et al. 2021. Synthetic Bone‐Like Structures Through Omnidirectional Ceramic Bioprinting in Cell Suspensions. Advanced Functional Materials Journal. Retrieved from https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1002/adfm.202008216
  2. Everett H. 2021. UNSW scientist’s 3D print Bone-like structures containing living cells. Retrieved from https://3dprintingindustry.com/news/unsw-scientists-3d-print-bone-like-structures-containing-living-cells-183243/
  3. Liu S. 2021. 3D-printable bone replacements. Retrieved from https://www.advancedsciencenews.com/3d-printable-bone-replacements/
  4. Gu Z, et al. 2020. Development of 3D bioprinting: From printing methods to biomedical applications. Asian Journal of Pharmaceutical Sciences, 15(5): 529-557. Retrieved from https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S1818087619311869#bib0019
  5. Vallet-Regi M. and Navarrete D. 2015. Nanoceramics in Clinical Use: From Materials to Applications: Biological Apatites in Bone and Teeth [Ebrary version]. Retrieved from https://pubs.rsc.org/en/content/chapterhtml/2015/bk9781782621041-00001?isbn=978-1-78262-104-1

#الطباعة الحيوية ثلاثية الأبعاد #اورام العظام