هل يستطيع فيروس كورونا إصابة الجسم مرتين؟

كثُر الّلغط في الآونةِ الأخيرة حول احتماليّة الإصابة بفيروس كورونا المُستجَد SARS-CoV-2 مرّة أُخرى بعد التعافي منه، وعلى الرغم من أنّ عددًا من الحالاتِ المُشابهة سُجّلت في دولٍ متفرّقة من العالم إلّا أنّ ذلك لا يعني التسليم بقدرة كوفيد-19 على العودة للجسم مرةً أُخرى؛ وذلك لأسبابٍ عدّة أهمّها بأنّ مثل هذه الاستنتاجات لا بُدّ أنّ تُبنَى على ملاحظات وبحوث علميّة طويلة المدى لمعرفة سلوك الجهاز المناعي بمواجهة مثل هذا الفيروس المُستَجد، ولأنّ عمر هذا الفيروس لم يتجاوز الثمانيّة أشهر بعد فإنّ الحُكم باحتماليّة عودة الإصابة يُعدّ سابقًا لأوانه إلى جانب عدم استناده إلى أي أدلّة علميّة موّثقة.

شهِدت المحافل البحثيّة توثيق عددٍ من الدراسات "قصيرة المدى" التي تُنادي بقدرة كوفيد-19 على إصابة خلايا الجسم مرّةً أُخرى، ما أثار حفيظة الهيئات والجهات الصحيّة تِجاه ما يُمكن أن ينجُم عن ذلك من مخاطر وكيفيّة التعامل معها، وهو ما أشعل بالتالي خوف سكان معظم دول العالم كَون هذه النتائج تُشير إلى طُولِ أمَد جائحة كوفيد-19، لتحُلّ ضيفًا ثقيلًا يُرجى الافتكاك منه في القريب المنظور.

على الضفّة الأُخرى قُوبلت هذه النتائج بالرفض والاستهجان تِبعًا لمبادىء علم المناعة المعروفة أولًا، ولأنّ العجلة في إطلاق مثل هذه النتائج يُعدّ ذو عواقب غير مرجوّة، وذلك ثانيًا، إضافة إلى عددٍ من الدراسات التي حاولت تقديم البراهين المُوّثقة بانعدام احتماليّة تكرار الإصابة بفيروس كورونا المُستجد بعد التعافي منه.

ما زالت الكثير من المعلومات والحقائق ضبابيّة وغير واضحة المعالم فيما يتعلّق بسلوك الفيروس الدقيق، لِذا وفي ضوء ما جادت به المراكز البحثيّة من دراسات، يستعرض هذا المقال كِلا الرأيين مع توضيح ماهيّة الاستجابة المناعيّة للجسم ضدّ أيّ مُمرضٍ قد يحاول اجتياز أسوار دفاعاته المَنيعة.

الاستجابة المناعيّة للجسم بوجه الفيروسات

يُواجه الجهاز المناعي مُختلف المُمرِضات التي قد تجتاحه عبر نوعين من الدفاعات المناعيّة كالتالي:

  1. المناعة الفِطريّة (الطبيعيّة) Innate immunity، وهو يُولّد مقاومة سريعة تستمر لفترة قصيرة ربما لساعات أحيانًا، ويشمل الجلد، الأغشية المُخاطيّة، الاختلافات الكيميائيّة في أماكن شتّى في الجسم مثل تباين درجة الحموضة pHفي المعدة وغيرها، وغيرها، إضافة إلى الحمّى والسُعال الّلذانِ يُعدَّانِ أحد دفاعات الجسم الفِطريّة بوجه الأجسام الغريبة التي قد تجتاح الجسم، وغير ذلك.
  2. المناعة المُكتَسبة Acquired immunity، وهو يُولّد مقاومة مُتخصّصة لمُمرِضاتٍ معيّنة، إلّا أنّها تأتي مُتأخرة مُقارنةً مع المناعة الفطريّة، إذ قد تستغرق أسابيعًا أو ربمّا شهورًا، وهي تُتيح للجسم القدرة على مُقاومة الأمراض التي سبق وأن تعرَّض لها عبر سلسلة من الاستجابات والتغيُّرات المناعيّة التي تُهيّىء الذاكرة المناعيّة للتصدّي لأيّ اجتياحٍ مُحتمل من فيروسات أو بكتيريا أو غيرها سبق لها وأن وَلَجت خلايا الجسم، وينقسم هذا الشّق الدفاعي في الجسم بشكلٍ رئيسيّ إلى نوعين من الاستجابات المناعيّة، كالتالي:
  • المناعة الخلويّة أو المُتواسطة بالخلايا Cell-Mediate immunity ؛ تتكوّن من الخلايا التائيّة T-Cells.
  • المناعة الخَلطيّة Humoral immunity؛ وذلك من خلال الأجسام المُضادّة Antibodies المَصليّة التي تُفرزها الخلايا البائيّة B-Cells.

تُواجه الفيروسات حال تخطّيها الحاجز المناعي الطبيعي الخلايا التائيّة T-Cells أحد مكوّنات المناعة الخلويّة، التي تقوم بمساعدة الخلايا البائيّة بالتعرُّف على المُستضدّات Antigens وهي تنقسم إلى أنواعٍ أربعة رئيسيّة:

  1. الخلايا التائيّة المُساعِدَة Helper T cells (TH): وهي تُساعد في تنشيط الخلايا التائيّة القاتلة TC؛ وذلك من خلال إفرازها للحرائك الخلويّة Cytokines، أيضًا تُحفّزالخلايا البائيّة وبعض الخلايا المناعيّة الأُخرى.
  2. الخلايا التائيّة المُنظّمة Regulatory T cells (Treg): تقوم هذه الخلايا بكبح الاستجابة المناعيّة بعد إكمال المَهمّة الدفاعيّة المطلوبة،أيضًاتُساعد خلايا Treg الخلايا المناعيّة في التمييز بين خلايا الجسم والخلايا الدَخيلة؛ ما يُقلّل من خطر الإصابة بأمراض المناعة الذاتيّة نتيجة مهاجمة الخلايا المناعيّة لخلايا الجسم السليمة.
  3. الخلايا التائيّة القاتلة:Cytotoxic T cells (TC)هذا النوع من الخلايا مسؤول عن تخليص الجسم من الخلايا المُصابة ومُسبّبات مرضها (مثل الفيروسات، ...إلخ)؛ إذ تقوم بقتل الخلايا المُستهدفة حال الارتباط بها.
  4. الخلايا التائيّة الجُريبيّة المُساعدة Follicular helper T cells (TFH): تُحفّز هذه الخلايا تكوين مجموعة من خلايا الذاكرة البائيّة، بحيث تؤمّن استجابة مناعيّة خَلطيّة سريعة في حال تكرار الإصابة بذات الفيروس أو المُمرِض في المستقبل، بالتالي تلعب دورًا مهمًّا في المناعة طويلة المدى في الجسم.

أمّا المناعة الخَلطيّة فهي تعتمد على الخلايا البائيّة المَصليّة عبر تكوين الأجسام المُضادّة Antibodies وطرحها في مجرى الدم، عند التعرّض لعدوى فيروسية مثلًا فإنّ الخلايا البائيّة B-Cells تتمايز ويتّم تنشيطها حال ارتباطها مع المُستضَد Antigen لتكوُّن نوعًا آخر يُسمّى Plasma cells، وتقوم هذه الخلايا بإنتاج الغلوبينات المناعيّة Immunoglobulins Ig(عبارة عن نشاط تقوم به الأجسام المُضادّة مُجتمعةً مع الغلوبينات المَصليّة) بأنماط إسويّة Isotypes IgD وIgMوهي تُسمّى في هذه الحالة خلايا بائيّة ناضجة، لتقوم بعد ذلك بإنتاج أجسام مُضادّة بأنماط إسويّة مختلفة مثل:IgG، IgA ، IgE، بينما تتطوّر بعض الخلايا البائيّة لتصبح خلايا ذاكرة Memory B-cells بحيث تتلخّص مهمّتها في تأمين الحماية للجسم في المستقبل عند عودة الإصابة بالفيروس أو المُمرِض -بشكلٍ عام- الذي سبق وأن قاومته؛ وذلك بإنتاج أجسام مُضادّة لفترة طويلة قد تمتّد أحيانًا ما بقي الشخص على قيد الحياة.

إمكانيّة عودة الإصابة بكوفيد-19، بين القبول والرفض

دراسة هولنديّة "طويلة الأمد" على الفيروسات التاجيّة Coronaviruses

نشر مجموعة من الباحثين في جامعة أمستردام في هولندا دراسة في منتصف أيار المُنصرم، وقد تمحورت هذه الدراسة على مجموعة من النتائج التي جاءت نِتاج 35 سنة من البحث والمتابعة على الفيروسات التاجيّة الموسميّة التابعة لذات العائلة التي ينتمي لها فيروس كورونا المُستجد SARS-CoV-2، يُذكَر بأنّ الفيروسات التاجيّة تضُم 6 أعضاء انضّم لها مؤخرًا الفيروس التاجيّ الجديد ليصبحوا 7، وهي كالتالي:

  1. HCoV-OC43
  2. HCoV-HKU1
  3. HCoV-229E
  4. HCoV-NL63
  5. SARS-CoV
  6. MERS-CoV
  7. SARS-CoV-2

وتُعد الأنواع الأربعة الأُولى أحد مُسبّبات نزلات البرد الموسميّة، أمّا "ميرس MERS-CoV" متلازمة الشرق الأوسط التنفسيّة و"سارس SARS-CoV" و"سارس 2 SARS-CoV-2" فهُم أشدّ فتكًا وكانوا سببًا بإصابة العديد من المجتمعات بأمراض لم يكُن سهلًا التخلُّص منها، آخرها فيروس كورونا المُستجد الذي ما زال نشِطًا ويُتابع تنقُّله بين الدول ويتسبّب بمشاكل صحيّة ووفيات قاربت على المليون.

وقد أشار الفريق الذي قام بتتّبُّع سلوك الفيروسات الأربعة المُسبّبة لنزلات البرد (الأربعة الأوائل المذكورين سابقًا) شهريًا لدى 2473 شخصًا من المُصابين إلى أنّ مستوى الأجسام المُضادّة يبدأ بالانخفاض بعد 6 أشهر من الإصابة، إضافة إلى أنّ عودة الإصابة مرة أُخرى بالعدوى سُجِّل لدى العديد من المُصابين، وقد سُجِل انخفاضٌ كبير في مستويات الأجسام المُضادّة بعد انقضاء 6 أشهر على الإصابة.

بالتالي فإنّ SARS-CoV-2 إذا ما اتبّع ذات السلوك المناعيّ الذي اتبّعه أعضاء العائلة الأربعة الذين خضعوا للدراسة، فإنّ المناعة التي ستقدّمها الأجسام المُضادّة جرّاء الإصابة بكوفيد-19 للجسم ستكون قصيرة المدى وفقًا لنتائج الدراسة، وهو ما سُيوّلد الكثير من التساؤلات والتنبؤات حول العديد من الأُمور المُتعلّقة بهذا الفيروس، لعلّ أهمّها هو إنتاج اللقاحات، إذ إنّه وفي هذه الحالة وبحسب فريق الدراسة لن تستطيع اللقاحات المُعدّة لمواجهة فيروس كورونا المُستجد توفير الحماية الّلازمة للجسم لسنواتٍ طويلة، ويجب في هذه الحالة أن تُعطى اللقاحات مرة أو مرتين سنويًا، إلّا أنّ الاستجابة المناعيّة طويلة المدى تُحتّم دراسة قدرة الجسم على توليد أجسام مُضادّة تُقاوم الفيروس لفترات تُجاوز السنة، وهو ما لا يُمكن تحقيقه حاليًا نظرًا للعمر القصير للفيروس (5 أشهر وقت إجراء هذه الدراسة ونشرها)، على الجانب الآخر فإنّ مجموعة من الباحثين قاموا بنشر دراسة تناولت تحليل ما يقرُب من 1281 مُلخّصًا لبحوث سابقة تدور في فلك المناعة التي تُقدّمها الأجسام المُضادّة ضمن محاور عدّة لمجموعة من فيروسات عائلة كورونا: "سارس SARS-CoV-1"، "ميرس MERS"، HCoVs وSARS-CoV-2، وقد خرجت هذه المُراجعة بنتائج مَفادها بأنّ الأجسام المُضادّة المُستعدِلة Neutralizing Antibodies يتّم تحفيزها حال التعرُّض للعدوى وبأنّها قادرة على البقاء في الجسم لسنوات عدّة ما يُمكّن الجسم من حماية نفسه من أي إصابة مُستقبليّة بالفيروس.

لكن، إضافة إلى كل ما سبق فإنّ دراسة الفريق الهولندي تضمنّت بعض القيود التي قد تُقوِّض نتائج الدراسة، إذ إنّ الفريق عجِز عن تحليل التسلسل الجيني للفيروسات التاجيّة الأربعة ممّا يعني بأنّ المناعة قصيرة المدى التي خرجت بها الدراسة قد تكون بسبب اختلاف الأنماط الجينيّة للفيروسات التي قد تؤدّي إلى عودة الإصابة نظرًا للاختلاف الجيني، إلى جانب اقتصار الدراسة على الذكور فقط وهُم الأكثر عُرضة للإصابة من الإناث.

انخفاض حاد بمستوى الأجسام المُضادّة بعد فترة من الإصابة!

نشرت مجلة N Engl J Medالمعروفة دراسة أجراها البروفيسور Yang وزملاؤه أوضحت بأنّ مستويات الأجسام المُضادّة لدى المُتعافين من الفيروس الجديد SARS-CoV-19 انخفضت بمعدلات قاربت النصف بعد 36 يومًا، وقد اعتمد الباحثون على إجراء فحص مُقايسة المُمتّز المناعي المرتبط بالإنزيم ELISA لفحص مستويات الأجسام المُضادّة IgG التي ولّدها الجسم بعد الإصابة بكوفيد-19، وقد أشارت هذه النتائج حفيظة العاملين على الدراسة قائلين بأنّ نتائجهم تُشير إلى أنّ المناعة الخَلطيّة Humoral immunity ضد فيروس كورونا الجديد قد لا تستمر طويلًا لدى الأشخاص ذوو الإصابة الطفيفة بكوفيد-19 (وهُم الأكثر نسبةً بين مُجمل المُصابين)، إلّا أنّ الباحثين أشاروا إلى حاجة الدراسة لمزيدٍ من البحوث التي تستهدف مُراقبة مستويات الأجسام المُضادّة لدى المُصابين بعد ما يُقارب 90 يومًا، وتحديد قدرة الأجسام المُضادة على مقاومة SARS-CoV-2 والفترة الّلازمة للوصول لذلك.

وقد تعرّضت هذه الدراسة للانتقاد من عددٍ من العُلماء والباحثين الذين لم يجِدوا فرقًا واضحًا في النتائج التي أظهرها المُنحنى المُدرَج في الدراسة، إذ أوضح البروفيسور فلوريان كرامار أستاذ الأحياء الدقيقة في كلية الطب التابعة لمستشفى "ماونت سيناي" أو جبل سيناء Mount Sinai Hospital أنّ دورة الأجسام المُضادّة في الجسم بعد العدوى تشتمل على 3 مراحل تبدأ بارتفاع مستوياتها لتصِل Peakأو القمة، ثم يبدأ الانخفاض التدريجي لها حتى تصِل إلى مرحلة الثبات Stabilization phase، وقد أضاف بأنّ الأشخاص ذوو الإصابة الطفيفة بكوفيد-19 ممّن أظهرت الدراسة انخفاض مستويات الأجسام المُضادّة لديهم يحتاجون لمزيدٍ من الوقت حتى ترتفع مستويات الأجسام المُضادّة لديهم من جديد.

دراسات أُخرى: قد يكون الجسم قادرًا على تكوين أجسامٍ مُضادّة طويلة الأمد ضد SARS-CoV-19!

وعلى الجانب الآخر فقد نُشِرت بعض الدراسات التي تُشير إلى احتمال أن تكون الأجسام المُضادّة التي تتولّد نتيجة الإصابة بكوفيد-19 قادرة على توفير الحماية المُناسبة لفتراتٍ -يُعتقَد بأنّها- قد تكون طويلة، إذ إنّ العمر القصير للفيروس الذي لم يتعدّ 8 أشهر حتى تاريخ كتابة هذه الكلمات لا يُساعد في توفير نتائج دقيقة تجزم بحقيقة قدرة الجهاز المناعي على توفير خطٍ دفاعيّ ضدّ كوفيد-19 يدوم لفتراتٍ طويلة، لِذا فإنّ جمعًا من العُلماء والاختصاصيين ذهبوا إلى محاولة اختبار قدرة الأجسام المُضادّة على تأمين الجسم ضدّ الإصابة بفيروس SARS-CoV-2 والفترة التي تستطيعها ضمن أطول فترة زمنيّة مُتاحة، وقد قام البروفيسور ZhengX وزملاؤه بإجراء دراسة على مجموعة من أوائل المُتعافين من كوفيد-19 في العالم في ووهان حيث بؤرة ولادة الوباء وانتشاره، وقد شمِلت الدراسة 349 شخصًا ممّن ظهرت عليهم الأعراض لدى إصابتهم بكوفيد-19، وتمّت مُراقبتهم على مدار 6 أشهر، وهي بحسب فريق البحث تُعدّ الفترة الأطول التي تشملها دراسة تستهدف مُراقبة الاستجابة المناعيّة للمُتعافين من فيروس كورونا المُستجد SARS-CoV-2، وقد توصَّل الباحثون إلى نتائج مُغايرة عمّا جاءت به معظم الدراسات الأُخرى، إذ إنّ مستويات الأجسام المُضادّة المُمثلّة بالغلوبينات المناعية من النوع G وM (IgG و IgM)استطاعت تعطيل الفيروس بنِسب متفاوتة خلال فترة الإصابة عبر ارتباطها مع البروتين SSpike protein وبروتين القفيصة المُنوّاة Protein Nucleocapsid للفيروس التاجي، إذ تضمّنت الاستجابة المبكّرة مستويات مرتفعة Peak من كُل منIgG و IgM، لكن وبعد أسابيع قليلة انخفضت مستويات الأجسام المُضادّة بشكلٍ ملحوظ تَبعها بعد أسابيع عدّة ثبات مستوياتها في الجسم، وهو ما يُشير بحسب الدّارسين بأنّ تعامل الجسم مع فيروس كورونا المُستجد يتشابه مع تعامله مع بقيّة الفيروسات الأُخرى التي سبق وأن خضعت للدراسةِ والبحث، من بينها فيروسات كورونا المُسبّبة لنزلات البرد، ما يعني بأنّ الجسم قادر على توليد مناعة تقِيه من الفيروس لأشهرٍ عديدة أو سنوات، بالتالي الحدّ من الإصابة مرة أُخرى به.

ويُشير الباحثون إلى أنّ معظم الاستنتاجات السابقة لجُّل الباحثين والقاضية بِقِصَر فترة الاستجابة المناعيّة لفيروس كورونا المُستجد كانت قد استنبطت نتائجها بناءً على فترة انخفاض الأجسام المُضادّة Contraction phase التالية لفترة الاستجابة السريعة والمُبكّرة ، وذلك دون مُراعاة للفترة اللاحقة والأخيرة والتي تتضمّن ثبات مستويات الأجسام المُضادّة في الجسم Stabilization phase وتواجدها بما يضمن قيامها بمهامها.

وقد اختصّ البروفيسور Zheng وزملاؤه الأشخاص المُتعافين من كوفيد-19 ممّن ظهرت عليهم الأعراض؛ ويُعزَى سبب التمييز بين ذوو الأعراض وأولئك ممّن لم تظهر عليهم أعراض كوفيد-19 إلى تفرقة الاستجابة المناعيّة بين كِليهما، إذ إنّه وبحسب دراسة نشرتها مجلة Nature مؤخرًا فإنّ الأشخاص المُصابين بكوفيد-19 ممّن لم تظهر عليهم أيّة أعراض قد يُكوِّنون استجابة مناعيّة أضعف ممّا هي عليه لدى الأشخاص ذوو الحالات الشديدة من الأعراض، وذلك عكس الأشخاص ذوو الأعراض الحادّة؛ إذ يُعزَى سبب ذلك إلى ارتفاع معدل التضاعف الفيروسي (الحمولة الفيروسيّة) في الجسم ممّا يؤدّي إلى تصنيع المُستضدّات الفيروسيّة بنسبة أكبر، التي بدورها تُحفّز استجابة مناعيّة خلطيّة قويّة لفترة طويلة بمساعدة الالتهاب أو التهيُّج القوي الذي تُولِّده هذه الفيروسات ومُستضدّاتها في الجسم.

تجدر الإشارة إلى أنّ التريُّث في إطلاق النتائج المُتعلّقة بالاستجابة المناعيّة لفيروس كورونا المُستجد يُعدّ أمرًا ضروريًا، خصوصًا بأنّ البتّ في مثل هذه النتائج يتطلّب مُراقبة المرضى المُتعافين لفتراتٍ أطول، وهو ما لا يمكن في الوقت الحاليّ، بالتالي فإنّ التسرُّع في إجراء مثل هذه البحوث سيكون ذو تأثيرٍ سلبيّ على موثوقيّة اللقاحات المُزمع تصنيعها في الفترة المُقبلة.

انخفاض دقّة الفحوصات وطول فترة الطرح الفيروسي، سبب إيجابيّة النتائج لدى المُتعافين من كوفيد-19

وفي دراسةٍ أُخرى قام بها فريقٌ من الباحثين في الولايات المُتحدّة الأمريكيّة ونُشِرت في مجلة Am JEmerg. Med.، فقد تناولت هذه الدراسة عدّة تحليلات لأسباب تشخيص الإصابة بكوفيد-19 مرة أُخرى لحالة واحدة لشخصٍ يبلغ من العمر 82 عامًا ويُعاني من مجموعة من الأمراض المُزمنة، وقد فسّر الباحثون سبب النتائج الإيجابيّة لفحص PCR بعد 15 يومًا من الحصول على نتائج سلبيّة بذات الفحص إلى سببين أُولاهما: استمرار طرح الفيروس في الدم Viral shedding (نتيجة استمرار تضاعفه) لفترة طويلة وثانيهما: الفحوصات المُستخدمة للفحص غير دقيقة؛ إذ قد تستمر فترة طرح الفيروس في الدم لِما يُقارب 20 إلى 22 يومًا بالمتوسط، في حِين سُجِّلت لدى بعض المرضى فترات أطول وصلت إلى 44 يومًا.

إضافة إلى ذلك، فإنّ معظم أنواع الفيروسات تتضمّن بقاء جزء من المادة الوراثيّة الخاصّة بها داخل خلايا المُضيف حتى بعد زوال الأعراض وتخلُّص الجسم من الفيروسات الحيّة المُسبّبة للمرض، وهو ما قد يُعطي نتائج إيجابيّة بوجود الفيروس بعد إجراء الفحص على الرغم من أنّ بقاء أجزاء من المادة الوراثيّة للفيروس لا يعني بالضرورة الإصابة بالعدوى، أيضًا فإنّ فحوصات RT-PCR لا تُعد بالغة الدقّة؛ فهي من الممكن أن تُعطي نتائج سلبيّة عند إجرائها في فترة مُبكّرة من الإصابة بكوفيد-19، في حين تكون قد ظهرت الأعراض على المريض برفقة صور الأشعة التي تؤكّد الإصابة، وغالبًا ما يُوصى بالحذر عند إجراء فحص PCR بغرض تقييم طول الفترة التي يتطلّبها الفيروس أثناء تكاثره؛ إذ إنّ هذا الفحص لا يمكنه التفرقة بين الفيروس القادر على التسبُّب بالعدوى وتواجد أحماضه الأمينيّة غير المُسبّبة لها.

لا دليل على وجود فيروسات نشِطة في عيّنات المُتعافين

وفقًا لتقريرٍ كان قد نشره مركز السيطرة على الأمراض الكوري KCDC في مايو من هذا العام، فإنّ النتائج التي أفضت إليها التجارب والأبحاث أشارت أيضًا إلى استبعاد احتماليّة عودة الإصابة بكوفيد-19 مرّة أُخرى، فقد باشر فريق مُتخصّص من الباحثين بتحليل نتائج عيّنات لمجموعة من المرضى المُتعافين بعدما جاءت نتائج فحوصاتهم "إيجابيّة Positive"، وذلك بعدما استكملوا فترة العَزل كاملة بما تتضمّنه من قيود وشروط بما يُقارب 14 يومًا، ولم يُعزَل الفيروس SARS-CoV-2 في أيّ من عيّنات الخلايا المَزروعة من المُتعافين، وهو ما ينفي احتماليّة عودة كوفيد-19 لأجسام المُصابين.

دراسات على القِرَدة أثبتت بأنّ عودة الإصابة مرة أُخرى بكوفيد-19، غير ممكنة.

في خِضّم النتائج المُتضاربة هنا وهناك جرّاء حداثة عهد كوفيد-19، فقد خرجت دراسة أُخرى أُجريت على القِردة من نوع مكاك ريسوسي أو الرايزيسي Rhesus Macaques أثبتت بأن لا دلائل جازمة بإمكانيّة عودة الإصابة مرة أُخرى، فقد تمّ تعريض القرَدة لذات السُلالة من فيروس كورونا المُستجد SARS-CoV-2 مرة أُخرى بعد التعافي من الإصابة الأُولى، وقد أشارت النتائج إلى عدم وجود أي أعراض سريريّة أو انتثار فيروسي داخل الجسم أو أي تغيُّرات مَرَضيّة نسيجيّة؛ ويُفسّر الباحثون ذلك إلى تحسُّن استجابة الأجسام المُضادّة المُستعدِلة في مواجهة الفيروس عند تعرُّض الجسم له للمرة الثانية، وهو ما يدحض الفرضيات الرامية باحتماليّة عودة الإصابة مرة أُخرى، وقد عزّزت هذه النتائج دراسة أُخرى قام بها مجموعة من الباحثين من عدّة جامعات أمريكيّة في آب من هذا العام، وقد استهدفت ذات السُلالة من القِرَدة وجاءت النتائج في نهاية الدراسة مؤازرة لسابقتها فقد استطاع الجهاز المناعي للقِرَدة تحفيز مناعة وقائيّة في حال تكرار العدوى بكوفيد-19.

تِبعًا للمعطيات السابقة فإنّ احتماليّة أن تكون نسبة الإصابة بفيروس كورونا المُستجد للمرة الثانية قد تكون منخفضة جدًا -إذا لم تكُن معدومة- وهو ما يُعدّ مُبشّرًا للناس عامّة ولصنّاع اللقاحات خاصّة؛ إذ إنّ المعرفة الدقيقة والقاطعة بطول فترة بقاء الأجسام المُضادّة في الجسم بعد العدوى يُشكّلُ قاعدة أساسيّة في التعرُّف على مسار الفيروس ومصيره في المجتمعات وخلال المواسم، لكن لا زالت النتائج غير مؤكّدة وتحتاج المزيد من البحث والدراسة التي تعتمد على عيّنات أكبر من المُتعافين فالحالات القليلة لا تُعدّ مؤشرًا قاطعًا لاعتماد النتائج.

على الرغم ممّا سبق، ما زالت الأيام تأتينا بكل جديدٍ -وصادم أحيانًا- فيما يتعلّق بــ SARS-CoV-2، إذ إنّ عدم اكتمال المشهد الوبائي الذي نشهده حاليًا في العالم يُفضِي إلى نتيجة واحدة تتلخّص بضرورة مواصلة الاختبارات والبحوث ضمن المعايير والشروط العلميّة للخروج بنتائج تُساعد في كبح عجلة الفيروس الطاحنة؛ فقد حصد كوفيد-19 حتى اللحظة ما يُقارب 813.257 روحًا، فيما استطاع تسجيل ما يزيد عن 23 مليون إصابة -بحسب الإحصائيّات المُحدّثة التي تنشرها جامعة "جون هوبكنز" عبر الموقع المُخصّص لذلك لحظةً بلحظة-.

مواضيع ذات صلة:

كيف تعمل اللقاحات، وما هي أنواعها

العدوى البكتيرية الثانويّة لدى مرضى كوفيد-19

مُستقبلات فيروس كورونا من النوع ACE2، أين تتواجد في الجسم؟

المراجع

  1. Bao L. et al. Lack of Reinfection in Rhesus Macaques Infected with SARS-CoV-2. 2020 May. bioRxiv. Retrieved fromhttps://www.biorxiv.org/content/10.1101/2020.03.13.990226v2.abstract
  2. Long Q. et al. Clinical and immunological assessment of asymptomatic SARS-CoV-2 infections. 2020 Jun. Nature Medicine(26): 1200–1204. Retrieved from https://www.nature.com/articles/s41591-020-0965-6
  3. Edridge A. et al. Human coronavirus reinfection dynamics: lessons for SARS‐CoV‐2. 2020 May. medRxiv. Retrieved from https://www.medrxiv.org/content/10.1101/2020.05.11.20086439v1.full.pdf
  4. Reynolds HY. Immunoglobulin G and Its Function in the Human Respiratory Tract. 1988 Feb. Mayo Clin Proc. 63(2): 161-174. Retrieved from https://www.mayoclinicproceedings.org/article/S0025-6196(12)64949-0/fulltext
  5. Atkinson B. and Petersen E. SARS-CoV-2 shedding and infectivity. 2020 Apr. The Lancet. 395(10233): 1339-1340. Retrieved fromhttps://www.thelancet.com/journals/lancet/article/PIIS0140-6736(20)30868-0/fulltext
  6. Ibarrondo FJ. et al. Rapid Decay of Anti–SARS-CoV-2 Antibodies in Persons with Mild Covid-19. 2020 Jul. N Engl J Med. Retrieved from https://www.nejm.org/doi/pdf/10.1056/NEJMc2025179
  7. Wu J. et al. SARS-CoV-2 infection induces sustained humoral immune responses in convalescent patients following symptomatic COVID-19. 2020 Jul. medRxiv. Retrieved from https://www.medrxiv.org/content/10.1101/2020.07.21.20159178v1.full.pdf
  8. Duggan NM. et al. Is novel coronavirus 2019 reinfection possible? Interpreting dynamic SARS-CoV-2 test results through a case report. 2020 Jul. Am J Emerg Med. Retrieved from https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC7335242/
  9. COVID-19 Dashboard by the Center for Systems Science Engineering (CSSE) at Johns Hopkins University (JHU). https://coronavirus.jhu.edu/map.html
  10. Huang AT.et al.A systematic review of antibody mediated immunity to coronaviruses: antibody kinetics, correlates of protection, and association of antibody responses with severity of disease. medRxiv. 2020 Apr. Retrieved from https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC7217088/
  11. Chandrashekar A. et al. SARS-CoV-2 infection protects against rechallenge in rhesus macaques. Science. 369(6505):812-817.2020 Aug. Retrieved from https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/32434946/
  12. Wajnberg A. et al.SARS-CoV-2 infection induces robust, neutralizing antibody responses that are 2 stable for at least three months. medRxiv. 2020 Jul. Retrieved from https://www.medrxiv.org/content/10.1101/2020.07.14.20151126v1.full.pdf
  13. Benjamini E, Sunshine G. and Leskowitz S. (1996). Immunology: A short course. New York: Wiley-Liss.
  14. Cox RJ. and Brokstad KA. Not just antibodies: B cells and T cells mediate immunity to COVID-19. Nature Reviews Immunology. 2020 Aug. Retrieved from https://www.nature.com/articles/s41577-020-00436-4
  15. Korea Centers for Disease Control and Prevention(KCDC).Findings from investigation and analysis of re-positive cases. 2020. Retrieved from https://www.cdc.go.kr/board/board.es?mid=a30402000000&bid=0030

#المُتعافين من كورونا #فيروس كورونا المُستجد #SARS-CoV-2 #كوفيد-19