مياه الصرف الصحّي قد تقدّم دليلًا على مدى انتشار كوفيد-19

نظرة عامّة على مرض كوفيد-19

ما زال سباق البحث الذي يتعلّق بكورونا المُستجّد SARS-CoV-2 محتدمًا بين جُّل دول العالم في شتّى المجالات، وتتراوح البحوث بين معرفة تركيب طبيعة الفيروس وظروف نموُّه إلى فترة حضانته وطرق علاجه وكيفيّة الكشف عنه بأفضل الوسائل والطُرق، وكعادة أيّ شيءٍ جديد فلا بُدّ أن يُسمَح لعقول الباحثين بأن تمتطي صهوة "قطار اللاواقع" لتصِل لأنجع الطُرق وأفضلها لفكّ شيفرة ما يحدث أيًّا كان.

مرض كوفيد-19 كما أطلقت عليه منظمّة الصحّة العالميّة بعد تفشّيه وتحوُّله لجائحة اجتاحت العالم شرقًا وغربًا، وُجِد أنّه أولًا ينتقل بشكلٍ رئيسيّ عبر إفرازات الجهاز التنفسي المُصاب مدفوعة من خلال العُطاس أو السُعال، إلى جانب احتكاك الأشخاص بالأسطح المُلوّثة بالفيروس المُسبّب لهذا المرض، وقد استطاع كوفيد-19 أن يتسبّب بخسائر كُبرى للأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 80 عامًا فقد وصلت نسبة الوفاة ما يُقارب 14.8%، وقد كان معدّل الأعمار للأشخاص المُصابين بين 47-59 عامًا، فترة الحضانة تراوحت غالبًا بين 3-7 أيام، إلّا انّها تراوحيت فعليًا بين 1 إلى 14 يومًا، وما تزال فترة الحضانة للفيروس تتذبذب مع انتشار الفيروس بصورة أكبر.

أمّا عن الأعراض فقد كانت في معظم الحالات عبارة عن: حمّى، وَهن عام وسُعال جاف، وفي الحالات الحرجة تطوّرت ليُصاب المريض بقصور في الرئتين وفشل في أدائهما لوظائفهما وربمّا طالت العديد من الأعضاء الأُخرى في الجسم أيضًا وتسبّبت بفشلهم أيضًا.

فيروسات كورونا في مياه الصرف الصحّي

قفزت العديد من الأفكار لعقول الباحثين بشأن تواجد فيروس كورونا المُستجَد وإمكانيّة استعمال العديد من الفحوصات لتِبيان تركيزه في بُقعة ما، ولعلّ من أكثر ما تمّ التركيز عليه هو عَزل الفيروس من أحد أعضاء الجهاز التنفسي الذي يستهدفه عادةً الفيروس عند مهاجمته للجسم، مثل المَسحات التي يتّم استخلاصها عادةً من التجاويف الأنفيّة البلعوميّة أو من الحَلق أو غير ذلك، إلّا أنّ مجموعة من الباحثين استطاعوا إيجاد قِطَع من المادة الوراثيّة الخاصّة بــِ SARS-CoV-2 في مياه الصّرف الصحّي، وقد قام الفريق البحثي بقيادة عالم الأحياء الدقيقة البروفيسور Gertjan Medema بتقصّي انتشار الفيروس عبر أخذ عيّنات من مياه الصرف الصحّي بهدف معرفة درجة انتشار الفيروس بين سكّان المدينة والتنبؤ بإمكانيّة تفشّيه في المواسم القادمة.

هل من الممكن أن تنتقل العدوى الفيروسيّة عبر البُراز أو مياه الصرف الصحي؟

تُعدّ دراسة الفيروسات ليس بالأمر المُستجد، لِذا فمن حُسن الحظ أن بات من الممكن اختزال بعض الوقت من خلال الارتكاز على المعلومات المُتوافرة عن الفيروسات بشكلٍ عام، وعن فيروس SARS-CoV-1 الذي يتشابه مع SARS-CoV-2 بما نسبته 80%، فقد سبق وأن تمّ عزل مجموعة من الفيروسات من عيّنات مأخوذة من المياه المُلوّثة، وقد تبيّن بأنّ أكثرها شُيوعًا والتي قد تكون موجودة في البُراز تحديدًا هي: الفيروسات التي تحتوي على RNA: فيروسات الإنفلونزا، فيروسات كورونا، كورونا المُستجد والفيروس المخلوي التنفسي، أمّا الفيروسات التي تحتوي على DNA: فيروس الهربس، وعلى الرغم من ذلك فإنّ تواجد مثل هذه الفيروسات في البُراز لم يرتبط بالتهاب الجهاز الهضمي، كما أنّه وقد سبق أن عُزلت فيروسات كورونا من أشخاص لم يُصابوا بإسهال أثناء إصابتهم، وقد أشارت الدراسات المُتوافرة إلى أنّ هذه الفيروسات في غالبها هي غير مُعدية، على الرغم من تمكّن بعض الفرق البحثيّة من عزل قِطَع مُعدية منها، إذ يمكن أن يعيش الفيروس أحيانًا في عيّنات أُخِذت للتوّ من الشخص المُصاب كما سبق وأن كُشِف عن SARS-CoV-1، لِذا دائمًا ما يتّم التشديد على ضرورة تنظيف المِرحاض بعد استعماله وغسل اليدين جيدًا بعد الخروج من الحمّام لقتل أي احتمال بإمكانية الإصابة بالعدوى الفيروسيّة أيًا كانت.

آليّة فحص مستوى فيروسات كورنا في مياه الصرف الصحّي

بحسب الطريقة المُتبّعة في معهد بحوث المياه KWR المَعني بالبحوث المُتعلّقة بالمياه في هولندا، فإنّ العيّنات التي يتّم الحصول عليها من مياه الصرف الصحّي، تخضع لفحص RT-PCR المعروف لتنقية الفيروس المأخوذ من عيّنة مياه الصرف الصحّي واستخلاص RNA الخاص به –إن وُجِد- من ثمّ يتّم تحليله للبحث عن القِطع الجينيّة المُتعدّدة للفيروس التي قد تكون موجودة في العيّنة، ويقول البروفيسور Medema الذي يعمل في ذات المعهد بأنّ فحوصًا أُخرى قد تُجرى للكشف عن وجود فيروس كورونا من عدمه مثل زراعة الخلايا Cell culture للعينات المأخوذة، إلّا أنّ طريقة PCR المُتبّعة تُعدّ الأفضل والأدق لغاية الآن، وغالبًا ما يتطلّب ظهور النتائج ما يُقارب 5 أيام، ويُضيف البروفيسور بأنّ هذه الطريقة لا بُدّ لها أن تتغيّر في قادم الأيام بعد التوصل لمزيدٍ من النتائج الفعّالة، لكن هذا ما يتوافر حتى الآن.

سلامة العاملين في مجال البحوث المُتعلّقة بمياه الصرف الصحّي

تِبعًا للبحوث والدراسات لم يسبق أن سُجّلت أي حالة عدوى بين صفوف العاملين في مجال البحوث المُتعلّقة بمياه الصرف الصحّي، وخصوصًا في حال تمّ التقيُّد بمعايير السلامة العامّة المنصوص عليها من منظمّة الصحّة العالميّة في التعامل مع مثل هذه الظروف.

وتؤكّد في هذا السياق البروفيسورة Rosina Girones مسؤولة قسم علم الوراثة والأحياء الدقيقة والإحصاء في جامعة برشلونة، بأنّ الفيروسات لا تستطيع النمو في الماء أو البيئة عمومًا، وهي تحتاج لخلايا الشخص المُضيف حتى تنمو وتتكاثر، إضافة إلى أنّ الكلورين الذي يتّم معالجة المياه به يستطيع إلغاء فعاليّة الفيروسات في الماء، وقد أثبتت العديد من البحوث والدراسات –بحسب ما تقوله البروفيسورة- فعاليّة خطوة معالجة مياه الصرف الصحّي في التخلٌّص من بعض أنواع الفيروسات مثل: Enterovirus، Norovirus، Adenovirus، بالتالي فإنّ كُل أنظمة المياه تُعد آمنة ولا تتسبّب بأي من أنواع العدوى الفيروسيّة.

لا تزال مثل هذه البحوث في بدايتها وتحتاج إلى التمويل والدعم من أجل المضيّ وتحقيق ما تصبو إليه، وتقديم أدلّة قد تدعم الحقائق المنشورة عن فيروس كورونا المُستجد –وغيره- أو تدحضه.

المراجع

  1. Cascella, M. et al. (2020). Features, Evaluation and Treatment Coronavirus (COVID-19). Retrieved from https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK554776/
  2. Prolonged presence of SARS-CoV-2 viral RNA in faecal samples (n.d.). Retrieved March 19, 2020 https://www.thelancet.com/pdfs/journals/langas/PIIS2468-1253(20)30083-2.pdf
  3. Chin, A. et al. Stability of SARS-CoV-2 in different environmental conditions. The Lancet Microbe.Retrieved fromhttps://www.medrxiv.org/content/10.1101/2020.03.15.20036673

#SARS-CoV-2 #كوفيد-19 #مياه الصرف الصحّي # فيروس كورونا المُستجد