ما هو سبب فقدان حاسة الشم والتذوق لدى مرضى كوفيد-19؟

ما هو سبب فقدان حاسة الشم والتذوق لدى مرضى كوفيد-19؟

تتركّز جهود الباحثين من كافّة أصقاع العالم على دراسة فيروس كورونا المُستجد ومحاولة فهم الآليّة التي يتّبعها داخل الجسم ليتسبّب بكُل ما نَشهده من خسائر صحيّة. ولعلّ أبرز ما شاع من أعراضٍ تترافق مع اجتياح هذا الفيروس لجسم الإنسان كان الحمّى، السعال الجاف وضيق النَفس، إلّا أنّ بعض الأشخاص أثاروا الاستغراب مؤخرًا لدى تسجيلهم لأعراض جديدة تبيّن فيما بعد بأنّها قد تكون مؤشرًا مبكرًا للإصابة بكوفيد-19. فقد اشتكى العديد من المرضى من تعرُّضهم لفقدان حاسّة الشّم والتذوق أيضًا في مرحلة مبكّرة من إصابتهم بفيروس كورونا المُستجد.

وتِبعًا للعديد من الدراسات والأبحاث التي سبق وأن أُجريت على فيروسات كورونا المُسبّبة لكُل من SARS-CoVو MERS-CoV فقد تبيّن بأنّ فيروس كورونا المُستجد المُسبّب لكوفيد-19 يتشارك وإياها ذات الصفة في القدرة على استهداف الجهاز العصبي المركزي المسؤول عن مثل هذه الحواس.

وعلى الرغم من أنّ الأبحاث لغاية اللحظة لا زالت تخرج تِباعًا منها ما يؤكّد ومنها ما يحتاج بعد لمزيدٍ من التأكيد، إلّا أنّ النتائج الأوليّة تقترح بأنّ إصابة الجهاز العصبي المركزي واقتحام فيروس كورونا للنهايات العصبيّة وصولًا لمراكز السيطرة في الدماغ قد يكون أحد الأساب الرئيسيّة في إيصال المريض للحالة الحرجة التي يحتاج معها للمكوث في وحدة العناية الحثيثة، ولعلّ التوصُّل لتأكيد احتماليّة اعتبار فقدان كل من حاسة الشّم والتذوَق كأعراض أوليّة لكوفيد-19 قد يُساهم في مساعدة إنقاذ العديد من الأرواح وتخفيف الأعباء على وحدات العناية الحثيثة التي قد لا تستوعب عددًا كبيرًا من المرضى ممّن يصِلون لهذه المرحلة في جُّل دول العالم، إذ إنّه وبحسب الدكتور وانغ وزملاؤه في دراسةٍ لهُم صدرت بتاريخ 13، مارس من هذا العام، فإنّ متوسط المدّة الزمنيّة الفاصلة بين ظهور الأعراض المُبكّرة والوصول لمرحلة انقطاع النفس أو صعوبة التنفُّس كانت 5 أيام، بحيث احتاج بعدها المرضى مزيدًا من الرعاية جرّاء تدهور حالتهم الصحيّة.

لكن، كيف يستطيع فيروس كورونا المُستجد التأثير على كل من حاستي الشّم والتذوق؟

بدايةً خرجت العديد من الدراسات والأبحاث التي دلّت على أنّ فيروس كورونا يجتاح الخلايا اعتمادًا على مُستقبلات الإنزيم المُحوّل للأنجيوتنسين ACE2 الموجودة على أسطح العديد من الخلايا في الجسم أبرزها: الرئتين، القلب، الكُلى، الأمعاء وأنسجة الدماغ، بالتالي يستطيع اقتحام كُل الخلايا التي تمتلك مثل هذه المُستقبلات بما فيها أنسجة الدماغ، أحد أعضاء الرئيسيّة للجهاز العصبي المركزي، إضافةً إلى ذلك يقول البروفيسور عبد المنّان الباحث في جامعة الآغا خان في باكستان، بأنّ لفيروس كورونا المُستجد القدرة على الوصول للدماغ عبر مجرى الدم ومهاجمة مُستقبلاتACE2 المُكوّنة لبطانة الأوعية الدمويّة في الدماغ، ما يُمكّنها من اختراق الحاجز الدموي الدماغي والوصول للعصبونات، ويُتابع بروفيسور عبد المنّان تفسيره مُشيرًا إلى أنّ تَمكُّن الفيروسات من اختراق الحاجز الدموي الدماغي قد يؤدّي إلى انتفاخ الدماغ بالتالي الضغط على جذع الدماغ الذي بدوره يؤثّر على عمليّة التنفس ويُخلخلها.

وفي محاولة أُخرى لفهم ما يجري داخل الجسم بعد اجتياح فيروس كورونا المُستجد، فإنّ أحد الفرضيات تُشير إلى أنّ كورونا يصِل للجهاز العصبي المركزي ويؤثّر على العديد من الوظائف مثل حاسّة الشّم والتذوُّق عبر اقتحامه للخلايا العصبيّة الموجودة في الأنف (البصلة الشميّةOlfactory bulb )، ما يؤدّي إلى سرعة انتقاله عبر خلايا الدماغ لاحقًا، وهي النتائج التي خرج بها البروفيسور بيرلمان، عالم المناعة في جامعة لُوا عام 2008، وفقًا لدراسة أجراها على مجموعة من الفئران المُصابة بــِ SARS-CoV المُشابه لِــ 2SARS-CoV المُسبّبب لكوفيد-19، بالتالي فإنّ فيروس كورونا المُستجد سيجد طريقه للدماغ عبر ذات الطريقة، في حال اقتحم الجسم عبر الأنف؛ إذ إنّ بِطانة الأنف تتألّف من خلايا الظِهارة، الأوعية الدمويّة و"محاور" العُصبونات الشميّة، بحيث ترتبط جميعها في هذه المنطقة من الأنف مع البصلة الشميّة عبر فتحات مُنخليّة صغيرة جدًا تُكوّن ما يُعرف بِالصفيحة المِصفويّة Cribriform plateالواقعة أسفل الفص الأمامي من الدماغ، ما يرفع من معدل إصابة الدماغ نظرًا لقُرب البصلة الشميّة منه، وفق تفسير البروفيسور عبد المنّان.

وكنتيجة، فإنّ ما يصبو له الخبراء من مثل هذه الدراسات هو محاولة الاعتماد على أدلّة أُخرى يمكن أن تُساعد المرضى وتحُد من احتماليّة حصول المُضاعفات التي قد تُهدّد حياتهم في حال الإصابة بكوفيد-19، فمثلًا قد يُساهم سؤال المرضى عن الشعور بأي أعراض ذات علاقة بالجهاز العصبي مثل: فقدان أي من حاسة الشّم أو التذوق أو كِلتيهما في مراقبة المريض عن كثب وتحديد إمكانيّة إصابته بفشل حاد أو مفاجىء في التنفس ممّا يُحتّم مُساعدته وإنقاذه قبل فوات الأوان، خصوصًا في حال الاعتناء بالأعراض العصبيّة الظاهرة ومراقبة تطوُّرها جيدًا.

المراجع

  1. Ashley Yeager. (2020). The symptoms suggest SARS-CoV-2 might infect neurons, raising questions about whether there could be effects on the brain that play a role in patients’ deaths, but the data are preliminary. The Scientist. Retrieved fromhttps://www.the-scientist.com/news-opinion/lost-smell-and-taste-hint-covid-19-can-target-the-nervous-system-67312

  1. Wang, D. et al. (2020). Clinical Characteristics of 138 Hospitalized Patients With 2019 Novel Coronavirus–Infected Pneumonia in Wuhan, China. JAMA. Retrieved from https://jamanetwork.com/journals/jama/fullarticle/2761044
  2. Baig, A. et al. (2020) Evidence of the COVID-19 Virus Targeting the CNS: Tissue Distribution, Host–Virus Interaction, and Proposed Neurotropic Mechanisms. ACS Chem. Neurosci. Retrieved from https://pubs.acs.org/doi/10.1021/acschemneuro.0c00122

*مصدر الصورة: https://commons.wikimedia.org/wiki/File:Head_olfactory_nerve_-_olfactory_bulb_en.png

#فيروس كورونا المُستجد #حاسّة الشّم والتذوُّق #كوفيد-19