كوفيد-19 قد يمتّد ليؤثر على القلب أيضًا

منذ تفشّي وباء كوفيد-19 حول العالم واجتياحه للعديد من المناطق، استشرفت الدراسات مجموعة من العوامل والمواصفات التي ترتبط بفيروس كورونا المُسبّب لهذا الوباء بُغية فكّ شيفرته والتوصُّل لِما يُمكن أن يكون الفيصل في القضاء عليه. ولعلّ من أكثر ما تمّ التركيز عليه في هذا السياق هو عوامل الخطر المُرتبطة بدرجة إمراضيّته للأشخاص، إذ إنّ عددًا لا بأس له أبدوا أعراضًا حادّة جعلتهم معرّضين لخطر الموت أكثر من غيرهم، ممّا قاد العديد من الباحثين نحو دراسة الأسباب والعوامل المؤثرّة في سبيل الوصول لحّلٍ ما يمكن أن يُساعد هؤلاء المَرض.

ولعلّ من أكثر ما تمّ ملاحظته هو تأثير كوفيد-19 على القلب والجهاز الدوارني بشكلٍ عام، فمثلًا إبّان انتشار المُتلازمة التنفسيّة الحادّة الناجمة عن فيروس كورونا (الفيروس التاجيّ) لُوحِظت إصابة المَرضى بعد ذلك بقصور الشريان التاجي الحاد واحتشاء عضلة القلب، وقد سُجّل عدد من الوفيات بسبب هذه الأخيرة في أحد الدراسات التي لم تشمل عددًا كبيرًا من المرضى، في حِين تمّ علاج البعض الآخر بعد المتابعة، تجدُر الإشارة إلى أنّ عائلة كورونا تتكوّن من مجموعة من أنواع الفيروسات التي سبق وأن تسبّبت بامراض انتشرت بشكل مُلفِت، منها متلازمة الشرق أوسط التنفسيّة "ميرس MERS"، المتلازمة التنفسية الحادّة الوخيمة "سارس SARS" وكوفيد-19 COVID-19".

وفي دراسة أُخرى ضمّت 121 مريضًا تمّ تشخيصهم بالسارس SARS كان من بينهم 12 مريضًا ممّن يُعانون من مشاكل في الجهاز القلبي الوعائي، وقد كان عدم انتظام ضربات القلب هو الأكثر شُيوعًا بينهم، يليه انخفاض ضغط الدم ثمّ تباطؤ ضربات القلب، إلّا أنّ معظم هؤلاء المرضى لم تظهر عليهم أي اعراض وكانوا قادرين على السيطرة على تلك الأعراض بأنفسهم، وفي دراسة أُخرى أُجريت في سنغافورة تبيّن بانّ بعض مرضى السارس قد عانّوا من تخثّر الأوردة العميقة.

أمّا مُتلازمة الشرق الأوسط التنفسيّة MERS التي خرَجت في بادىء الأمر من السعوديّة عام 2012 نتيجة الاتصال المباشر بين الجِمال والإنسان، ومع انتشارها للدول المُحيطة بدأت بتسجيل عددٍ من الوفيات التي وصلت إلى ما يُقارب 37.1%، وعند التركيز على عوامل الخطر تبيّن أنّها أكثر انتشارًا بين كِبار السن والذكور وأولئك المُصابين بإحدى الأمراض المُزمنة أبرزها أمراض القلب مثل ارتفاع ضغط الدم وغيرها من المشاكل الصحيّة الأُخرى مثل السكري والسُمنة.

وبعد ظهور كوفيد-19 أواخر 2019 وتفشّيه حول العالم، تكثّفت الدراسات حوله لتقييم الأعراض وعوامل الخطر وغيرها ممّا يدور في فلك الفيروس التاجي المُسبّب له، وقد تبيّن فيما بعد بأنّ فيروس كورونا المُسبّب لكوفيد-19 يتشابهجينيًا مع الفيروس المُسبّب للمتلازمة التنفسية الحادّة الوخيمة (السارس) بنسبة تصِل إلى 82% وبنسبة أقل مع الفيروس المُسبّب لمُتلازمة الشرق الأوسط التنفسيّة (ميرس) بما يُقارب 50%.

وقد وصلت نسبة الوفيات نتيجة الإصابة بكوفيد-19 إلى ما يُقارب 3.4%، وهي على الرغم من عدم ارتفاعها عالميًا إلّا أنّ معدّل انتشار الفيروس العالي بين سكّان الأرض يُوعز بمزيدٍ من الحِرص والتقيُّد بالتعليمات لمحاولة تخطّي هذه الجائحة، وسَبَق وأن أشارت الدراسات والأبحاث في هذا الصدد إلى العديد من عوامل الخطر المُتعلّقة بكوفيد-19، فقد قدّمت دراسة أُجريت مؤخرًا على 1099 مريضًا من داخل وخارج المستشفيات نتائج أشارت إلى أنّ أكثر ما شكّل خطرًا على حياة المرضى بعد إصابتهم بكوفيد-19 كان ارتفاع ضغط الدم بنسبة وصلت 14.9% ثمّ جاء السكري بنسبة 7.4% ثمّ أمراض القلب التاجيّة بنسبة 2.5%، وقد حصَد فيروس كورونا من هذه الأرواح ما نسبته 1.4%، بينما تمّ وَصل 2.3% منهم مع أجهزة التنفس الصناعيّة، وقد كان أحَد أكثر المُضاعفات شيوعًا بينهم تعرُّضهم لمتلازمة الضائقة التنفسيّة ARDS.

وعلى الرغم من أنّ فيروس كورونا المُستّجد ارتبط بشكلٍ كبير مع التهاب الرئة الحاد وتأثيره الكبير على الرئتين، إلّا أنّه تبيّن إمكانيّة تأثيره على القلب أيضًا، فقد وُجِد ذو تأثيرٍ على عضلة القلب نتيجة وصول الالتهاب الفيروس لعضلة القلب والتسبُّب بمرضها، وقد توّصلت أحَد الدراسات التي أُجريت على 416 مريضًا بكوفيد-19 إلى أنّ إصابة الشخص بأحد الأمراض القلبيّة رفع نسبة الإصابة بمتلازمة الضائقة التنفسية ARDS بالتالي رفع نسبة الوفاة لديهم، فقد فارق الحياة 57 مريضًا منهم كانوا يُعانون من أمراض القلب التاجيّة، فشل عضلة القلب والأمراض الوعائيّة الدماغيّة بالترتيب حسب نسبة الشُيوع، وقد تمّ إثبات ذلك بعد رصد ارتفاع مستويات بروتين "تروبونين" الذي يرتفع في الدم بعد الإصابة بالنوبات القلبيّة، ما يُعنِي بأنّ فيروسات كورونا تستطيع إحداث أضرارٍ على القلب وتؤدّي إلى مُضاعفات قد تكون وخيمة على المريض، إلى جانب ذلك فقد أشار الدكتور حسام الخبيري أستاذ أمراض القلب والأوعية الدمويّة إلى أنّ التهاب الرئة الناجم عن الإصابة بكوفيد-19 قد يُشكّل عِبئًا على عضلة القلب ما يؤثّر سلبًا على معدّل ضخ الدم في الجسم وقد يمتّد ليؤثّر على نظام القلب الكهربائي، وهو بالطبع يزيد المشكلة سُوءًا.

وفي الوقت الذي لا يُعد التهاب الرئة الاعتيادي أو المُتعارف عليه ذو أضرارٍ تُذكَر على القلب، إلّا أنّ فيروس كورونا المُستّجد المُسبّب لكوفيد-19 تبيّن بأنّه ذات قدرة على التسبُّب بالتهابات فيروسيّة تُعزّز فرص الإصابة بالمُتلازمات التاجيّة الحادّة، عدم انتظام ضربات القلب وإجهاد القلب وفشله بعد ذلك، وهو ما قد يكون بسبب مجموعة من العوامل الالتهابيّة الجهازيّة إضافة إلى التهاب الأوعية الدمويّة في بعض المناطق المحدّدة وغير ذلك من العوامل الأُخرى.

على الرغم من محدوديّة الدراسات التي تبيّن الرابط بين كوفيد-19 والتأثير المُباشر أو غير المُباشر على القلب ووظائفه، إلّا أنّ نظرة سريعة على عواقب جوائح الإنفلونزا الناجمة عن فيروسات كورونا التي سبق وانتشرت، يتبيّن بأنّ معدل وفاة الأشخاص بسبب المضاعفات المُتعلّقة بأمراض القلب كانت مرتفعة، ما يزيد الحاجة لتسليط الضوء على مثل هذه التأثيرات لأخذ الحِيطة والحذر، لكن لغاية الآن فإنّ ما ثبُت ارتباطه الوثيق بارتفاع معدلات الوفيات نتيجة الإصابة بكوفيد-19، هو التالية: التقدُّم في السن بما يزيد عن 60 سنة، أن يكون الجنس ذكرًا والإصابة بأحَد الأمراض المُزمنة المُرتبطة بشكلٍ وثيق مع ارتفاع الخطورة بعد الإصابة بكوفيد-19، إضافة إلى أنّ الإصابة بأحد أمراض القلب والذي يُستدّل عليه من ارتفاع مستويات بروتين "تروبونين"، التهاب عضلة القلب ومتلازمة الضائقة التنفسيّة أحَد أكثر الأسباب غير المباشرة ارتباطًا بارتفاع معدل الوفاة بعد الإصابة بكوفيد-19.

المصدر:

Madjid, M. et al. (2020) Potential Effects of Coronaviruses on the Cardiovascular System. JAMA Cardiolo. Retrieved from https://jamanetwork.com/journals/jamacardiology/fullarticle/2763846?fbclid=IwAR1_dUkjQPRNY128QBZlWGJnDwL8yOeV-PFVJBOvFGIr2yu8aq0qtzLFUc4

#وباء كوفيد-19 #أمراض القلب #الفيروس التاجي