سباق بَحثي عالمي لإيجاد علاج لكوفيد-19

انطلق سباق البحث عن علاجٍ فعّال لكوفيد-19 منذ أشهر عدّة، بحيث تأهّبّت الدُول بمعّداتها العِلميّة وعُلمائها وكُل ما تملك من قدراتٍ بحثيّة لمواجهة هذا الوباء الذي حرَم الكثيرين من أقرب الناس إليهم وأجلَس عددًا أكبر أسرّة المُستشفيات لأيام. وفي حين أعلنت المؤسسات الصحيّة الرسميّة بأنّ إنتاج دواء فعّال ومُعتمَد لكوفيد-19 يحتاج على الأقل من 12 إلى 18 شهرًا، فقد بدأت الجهود تتوّجه نحو إعادة إستخدام بعض الأدوية المطروحة في الأسواق والمُعتمدَة من الجهات المَعنيّة، والتي قد تكون ذات فعاليّة في علاج كوفيد-19.

بدأ العديد من الباحثين بمراجعة المعلومات المُتوافرة في بنوك المعلومات حول العالم لمجموعة من الأدوية التي قد تلقَى نجاحًا في تثبيط فعاليّة فيروس كورونا المُستجد SARS-CoV-2، وقد تمخّضت هذه الجهود عن مجموعة من الأدوية التي خضعت للفحوص المخبريّة In vitro وأبدَت فاعليّة مبدئيّة تِجاه الفيروس الجديد، وعلى الرغم من النتائج التي حملت معها البُشرى للعديد من المَرضى إلّا أنّ ذلك لا يكفي، إذ يحتاج اعتماد مثل هذه الأدوية لعلاج مرضٍ جديد تجربتها سريريًا على مجموعة من المرضى المُتطوّعين، وهذا ما كان، تاليًا مجموعة من الأدوية التي خضعت للبحث والدراسة مخبريًا وسريريًا مع نتائجها.

دواء كلوروكوين المُضاد للملاريا

يُقدّر عُمر هذا الدواء بِما يُقارب 70 عامًا، والذي طالما اُستخدم لعلاج الملاريا بكفاءة وبتكاليف غير باهظة، وقد تمّ اختبار هذا الدواء ومُشتقّاته مثل هيدروكسي كلوروكوين على العديد من فيروسات كورونا المُسبّبة للأمراض لدى الإنسان مثل: OC43 و SARS-CoV مخبريًا وأظهر نتائج فعّالة بمواجهتهم، إلّا أنّ طريقة عمل هذا الدواء ما تزال محَل جدَل وبحاجة للعديد من التجارب السريريّة بغرض توكيدها.

أمّا عن آليّة عمل كلوروكوين/ هيدروكسي كلوروكوين داخل الجسم، فهو عبارة عن مركّب قاعدي ضعيف يؤثّر على الحُويصلات الحمضيّة ويؤدّي إلى تعطيل عمل العديد من الإنزيمات، يُحاط بعُضيات منخفضة الحمضيّة (pH منخفض) ويؤثّر على حمضيّتها مثل: الجُسيمات الداخليّة "إندوسومات"، حُويصلات جولجي والجُسيمات الحالّة، فمثلًا في حال الإصابة بالملاريا فإنّ جزيئات الكلوروكوين تتراكم حول الفجوات الغذائيّة في الطُفيلي المُسبّب للملاريا والمُسمّى "بلازموديوم" ممّا يمنعه من إزالة الأكسجين من Heme (الهِيم وهي الصبغة الحمراء التي تعطي اللون الأحمر للدم) المُعتمِد على درجة الحموضة pH والذي ينجُم عن استهلاك هذا الطُفيلي للهيموغلوبين بغرض الحصول على الأحماض الأمينيّة الحرّة.

بالتالي يستطيع كلوروكوين/هيدروكسي كلوروكوين إضعاف تكاثر أو تضاعف العديد من الفيروسات، وهو إضافة إلى خواصّه المُضادّة للالتهاب قد يكون ذو آثار إيجابيّة على SARS-CoV-2، وهو يخضع لغاية اللحظة للتجارب السريريّة بغرض تقييم العديد من الجوانب الأُخرى أيضًا مثل جرعة الدواء التي يجب أن تُعطَى للمرضى إضافة إلى المرحلة الأنسب التي يُفضّل أن يُعطَى بها المريض الدواء وغيرها ممّا يجب معرفته بالتفصيل قبل الإعلان الرسمي عن نجاح التجارب التي ينتظر العالم أجمع نتائجها لاعتماد الدواء من عدمه في محاربة أو تخفيف أعراض كوفيد-19 الذي يجتاح العالم.

دواء Remdesivir في مواجهة كوفيد-19

بغرض مُجاراة الواقع الحالي واغتنام الوقت للوصول للحّل الأسرع عبر إعادة اختبار مجموعة معيّنة من الأدوية المُتاحة حاليًا في علاج المرض المُستَجد كوفيد-19، فقد توّجهت الأنظار أيضًا لدواء Remdesivir الذي سبَق وأن تمّ تطويره لعلاج فيروس "إيبولا"؛ إذ يعمل على تثبيط عمل هذا الفيروس من ثمّ منع عمليّة التكاثر (التضاعف)، وعلى الرغم من أنّه لم يُثبِت نجاحه بمواجهة إيبولا ليتّم التغاضي عنه لاحقاً، إلّا أنّه تمّ إخضاعه مؤخرًا للتجارب السريريّة التي تستهدف فيروس كورونا المُستجد SARS-CoV-2، وقد أكّد الباحثين بأنّ دواء Remdesivir قد يملك فعاليّة عاليّة ضد فيروسات كورونا لِذا فقد أصدرت منظمة الصحّة العالميّة تقريرًا في أواخر يناير من هذا العام يُشير إلى أنّ Remdesivir المُرشّح الأقوى لمواجهة كوفيد-19.

بدأت الجهة المُصنّعة (Gilead Science) لدواء Remdesivir بإجراء 3 دراسات سريريّة بواقع مرحلتين لتقييم سلامة وفاعليّة هذا الدواء على مرضى كوفيد-19 البالغين في مارس من هذا العام، ويُفتَرض أن تشمل هذه المرحلة ما يُقارب 1000 مريض في الدول ذات الإصابات المُرتفعة بكوفيد-19، وبالطبع فإنّ هذه التجارب السريريّة تجري بالتعاون مع إدارة الغذاء والدواء الأمريكيّة وبإشراف من منظمة الصحة العالميّة وغيرها من الجهات المَعنيّة في دُول مختلفة.

وقد كان مُتوقعًا أن تصدُر النتائج الأوليّة للمرحلة الأولى من الدراسات السريريّة في إبريل (أي الشهر الحالي أثناء كتابة المقال)، لكنّ الأخبار الواردة من مراكز الأبحاث تُشير إلى إنّ النتائج التي أسفرت عنها هذه الدراسات كانت مُخيّبة للآمال، فقد نشرت صحيفة الغارديان البريطانيّة في 23 إبريل خبرًا يُشير إلى أنّ دواء Remdesivir لم يكُن ذو تأثيرٍ يُذكَر على مرضى كوفيد-19 الذين خضعوا للدراسة، إضافة إلى أنّه تمّ إيقاف التجارب مبكرًا بسبب الآثار الجانبيّة التي لُوحظت على المرضى، وقد عُزّزت النتائج بدراسة صينيّة نشرتها مجلة The Lancet في 29 إبريل مفادها بأن لا تأثير سريري واضح على مرضى كوفيد-19 ممّن تلقَوا هذا الدواء، وعلى الرغم من أنّ الشركة المُصنّعة للدواء ما زالت تدّعي بأنّ الدواء قد يكون أثرٍ فعّال على مرضى كوفيد-19 ممّن يُعانون من أعراضٍ طفيفة، إلّا أنّ كلمة الفَصل التي ينتظرها الجميع من منظمة الصحّة العالميّة ما زالت غير مُعلَنة، على الرغم من أنّ المنظمة قامت بإصدار خبرٍ بفشل التجارب التي أُجريت دواء Remdesivir من تحقيق الهدف المَرجوّ منها، إلّا أنّها قامت على الفَور بسحب الخبر وتبرير ذلك بأنّه حدث عن طريق الخطأ وهو يخضع حاليًا للمُراجعة والتدقيق باتنتظار النسخة النهائيّة الرسميّة.

دواء حرقة (حموضة ) المعدة كأحد الحلول التي تخضع للبحث

قفز هذا الدواء لمنافسة بقيّة الأدوية التي بدأ العمل عليها بغرض إثبات فاعليّتها لمواجهة كوفيد-19، ويستهدف دواء Femotidine علاج حرقة المعدة لدى الكثيرين، وهو مُتوافر وغير باهظ الثمن، وقد تمّ الكشف عن التجارب القائمة على هذا الدواء مؤخرًا بعدما نجحت مجموعة من التجارب المخبريّة وتلك الإحصائيّة (اعتمادًا على نمذجة المعلومات الموجودة بناءً على نماذج ثُلاثيّة الأبعاد بإشراف اختصاصيين)، وقد توّلدّت الفكرة في الصين وقام بنقلها طبيب أمريكي شهِد مراحل تطوُّر هذا البحث من قلب الحَدَث أثناء عمله على مشروع يتعلّق بإنفلونزا الطيور في مدينة نانجينغ في الصين إبّان انتشار الجائحة، إذ لا حظ الدكتور مايكل كالاهان وزملاؤه الصينيين أنّ 4 من بين 5 مَرضى بكوفيد-19 استطاعوا النجاة وكانوا جميعًا ممّن تجاوزت أعمارهم 80 عامًا، فتوّلّدت مجموعة من التساؤلات لدى الأطبّاء المُشرفين على حالاتهم عن سبب عدم وفاة هؤلاء الأربعة، وقد كان من بين المُلاحظات اللافتة أنّ جميع هؤلاء المرضى كانوا يُعانون من ارتفاع ضغط الدم وأمراض الجهاز التنفسي المُزمنة إضافة إلى أنّ الفقر الماديّ كان قاسمًا مُشتركًا بينهم ، تمّ بعد ذلك مراجعة السجّلات المَرضيّة لِما يُقارب 6212 مريض من الناجين من كوفيد-19 وقد تبيّن لاحقًا بأنّ معظمهم كانوا يُعانون من حرقة المعدة وقد اعتمدوا على دواء Famotidine الأقل ثمنًا في علاج مشكلتهم، وقد كانت نسبة الوفاة بمرض كوفيد-19 بين أولئك الذين اعتمدوا على دواء حرقة المعدة المذكور آنفًا ما يُقارب 14% بينما وصلت النسبة لــِ 27% ممّن لم يعتمدوا على هذا الدواء (الدراسة تحتاج لمزيد من التقصّي وهي ضعيفة إحصائيًا).

تمّ التركيز على دراسة الإنزيم الذي يُساعد الفيروس على التضاعف؛ وذلك من من خلال اختبار قدرة ال Famotidine على الارتباط معه، وبعد سلسلة من التحليلات والتجارب التي شمِلَت تجربة ما يُقارب 2600 مركّب (مُستحضَر) مختلف وطريقة ارتباطها مع الإنزيم الجديد لفيروس كورونا، تمخّضت النتائج عن توكيد فاعليّة مجموعة من المُركبّات الفعّالة والتي تمّ اعتماد ثلاث منها، كان أحدها الــ Famotidine.

وعلى الرغم من النتائج الواعدة التي حقّقها هذا الدواء والتي كانت في بعضها مؤثّرة بحَق، إلّا أنّه يحتاج لمزيدٍ من التجارب التي ستؤكّد إمكانيّة استخدامه لتخفيف أعراض كوفيد-19 من عدمها، وذلك بحَسب الباحثين القائمين على مثل هذه البحوث، إذ إنّ الحَماسة التي يُبديها البعض في البداية تنطفىء قبل الوصول للنهاية والتحقُّق من فاعليّة الأدوية، لِذا لا بُدّ أن تكون الدراسات البحثيّة المُحقّقة هي مربع الحماسة الأول حتى لا يُباع الأمل الزائف للمرضى المُترّقبين لترياقٍ يُنقذهم من شبح الموت بكوفيد-19.

المراجع

  1. Harrison, C. 2020. Coronavirus puts drug repurposing on the fast track. Nature Biotechnology. VOL 38: 379–391. Retrieved from https://media.nature.com/original/magazine-assets/d41587-020-00003-1/d41587-020-00003-1.pdf
  2. Savarino, A. et al,. 2003. Effects of chloroquine on viral infections: an old drug against today's diseases. Lancet Infect Dis. 3(11): 722–727. Retrieved fromhttps://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC7128816/
  3. Hu, T. et al,. 2020. Insights from nanomedicine into chloroquine efficacy against COVID-19. Nature Biotechnology. 15, 247–249. Retrieved from https://www.nature.com/articles/s41565-020-0674-9
  4. Brendan Borrell. 2020. New York clinical trial quietly tests heartburn remedy against coronavirus. Science. Retrieved from https://www.sciencemag.org/news/2020/04/new-york-clinical-trial-quietly-tests-heartburn-remedy-against-coronavirus#
  5. Wang, Y. et al. 2020. Remdesivir in adults with severe COVID-19: a randomised, double-blind, placebo-controlled, multicentre trial. The Lancet. Retrieved from https://www.thelancet.com/journals/lancet/article/PIIS0140-6736(20)31022-9/fulltext
  6. Gilead Sciences. 2020. Remdesivir Clinical Trials. Retrieved from https://www.gilead.com/purpose/advancing-global-health/covid-19/remdesivir-clinical-trials#
  7. First trial for potential Covid-19 drug shows it has no effect. 2020. The guardian. Retrieved from https://www.theguardian.com/world/2020/apr/23/high-hopes-drug-for-covid-19-treatment-failed-in-full-trial

#SARS-CoV-2 #Remdesivir #دواء حرقة المعدة #فيروس كورونا