بلازما دم المُتعافين لعلاج كـوفـيـد-19

منذ بدء تفشّي وباء كوفيد-19 مطلع العام الجاري والبحوث تجري على قدمٍ وساق بُغية الوصول للعلاج الأنجع في القضاء على هذا الفيروس المُستَجَد الذي اُتُفِق على تسميته SARS-CoV-2، ولأنّ تطوير علاج خاص بفيروس كورونا المُستَجد يحتاج لِما يُقارب العام ونصف وفقًا للبروتوكول المُعتَمد من منظمة الصحة العالمية وكُبريات الجهات والمراكز البحثيّة الدوائيّة، فإنّ الأنظار توّجهت نحو تجربة فعاليّة أنواعٍ معيّنة من الأدوية الموجودة في الأسواق واختبار قدرتها على التأثير على كوفيد-19، بحيث يتّم انتقائها تِبعًا لمعايير معيّنة، ولعلّ دواء الملاريا "الكلوروكوين" كان أَحد الخيارات الأُولى التي لاقت استحسانًا كبيرًا لحظة إعلان إمكانيّة نجاعة هذا العلاج في التخفيف من معاناة مرضى كوفيد-19، إلّا أنّ النتائج السريريّة لم تؤتِ أُكلَها كما اعتقد العالم ولم يتّم اعتماد الدواء بشكلٍ رسمي، تبِع ذلك العديد من المُقترحات لعلّ آخرها الاختبارات التي أحاطت بــــِ "ريميديسفير" الذي سبق وأن تمّ تصنيعه لمواجهة إيبولا، إلّا أنّ النتائج أيضًا كانت مخيّبة للآمال هي الأُخرى.

وفي ظل الأزمة المُستمرة والارتفاع المُتزايد بأعداد المُصابين بكوفيد-19، كان لا بُدّ أن تتجّه الأنظار لحلولٍ أُخرى، منها العلاج بالبلازما المأخوذة من عيّنات الدم للمرضى المُتعافين أو ما يُعرَف بـــِ "بلازما النقاهة"، وهي الطريقة التي تمّ استخدامها إبّان انتشار جائحة الإنفلونزا عام 1918، وحاليًا تمّ اللجوء إليها وإخضاعها للبحث والتجارب إلى حين التحقُّق من أمان اتبّاعها، وتتضمّن الحصول على عيّنات من دم الأشخاص الذين تعافَوا من كوفيد-19، ومن ثمّ استخلاص "بلازما النقاهة" التي تحتوي على أجسام مُضادّة للفيروس وحقن المُصابين ممّن يُعانون من أعراضٍ حادّة وإبقائهم تحت المراقبة، وهو ما قد يُخفّف عنهم ويُساهم في علاجهم بنسبٍ متفاوتة، وقد أجازت بعض الدول للأطبّاء ببدء استخدام البلازما لعلاج مَرضى كوفيد-19 ممّن يُعانون من مُضاعفاتٍ حادّة، بحيث تنخفض قدرة الجهاز المناعي لديهم ولا يَقوى على إنتاج أجسام مُضادّة لمحاربة الفيروس.

البلازما لعلاج إيبولا، الإنفلونزا A ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسيّة (ميرس)

مؤخرًا أُجريت عدّة دراسات استهدفت المَرضى المُصابين بفيروس كورونا المُستجد SARS-CoV-2، وقد شمِلت واحدة من الدراسات ما يُقارب 5000 مريض (3,153 من الذكور و 1,824 من الإناث) تراوحت أعمارهم بين 18 إلى 97 عامًا من أعراقٍ مختلفة، تمّ إعطاؤهم "بلازما النقاهة" التي تمّ استخلاصها من عيّنات دم لمَرضى تعافَوا من كوفيد-19، الدراسة لم تخضع بعد للمراجعة العلميّة Peer-reviewed إلّا أنّ نتائجها جاءت مُبشّرة إلى حدٍ ما، وعلى الرغم من تسجيل عدد من الوفيّات خلال الأيام السبعة الأُولى، إلّا أنّ القائمين على الدراسة لم يأخذوا هذه الوفيات على أنّها انتكاسة للدراسة؛ على اعتبار أنّ العلاج كان يستهدف محاولة إنقاذ المرضى الذين يُعانون أصلًا من أعراضٍ حرجة (فشل في العديد من الأعضاء، تسمُّم، فشل في الجهاز التنفسي وغير ذلك) والذين كان جُلُّهم يقبع في وحدات العناية الحثيثة ICU، وهو ما عزّز من التوصيات بضرورة أخذ الحِيطة والحذر عند إعطاء مثل هذا العلاج للمرضى ذوو الحالات الحرجة.

وقد استهدفت العديد من الدراسات إجراء البحوث على بعض الأمراض الفيروسيّة بهدف علاج المَرضى بالبلازما من المُتعافين، فمثلًا أُجريت دراسة بتشجيعٍ من منظمة الصحة العالميّة عام 2014، استهدفت علاج مرضى إيبولا عبر إعطائهم البلازما التي تمّ الحصول عليها من دم المُتبرّعين بعد تعافيهم، وبُوشر أيضًا العمل بعلاج مرضى متلازمة الشرق الأوسط التنفسيّة "ميرس MERS" عام 2015 عبر أخذ عيّنات بلازما من المُتعافين وإعطائها للمَرضى، وقد سبَق ذلك تجربة علاج المرضى المُصابين بالإنفلونزا A (H1N1) عام 2009 وقد جاءت النتائج وقتها مُبشّرة بحيث استطاعت الأجسام المُضادّة الموجودة في عيّنات البلازما المأخوذة من المُتعافين تخفيض معدلات الوفاة بشكلٍ ملحوظ، حيث بدأت تظهر علامات الشفاء على المرضى في وحدات العناية الحثيثة بعد ما يُقارب 3، 5، 7 أيام، وقد انخفضت الحمولة الفيروسيّة وتحسّنت حالات المرضى دون أي مُضاعفات تّذكَر بعد العلاج.

آلية نقل البلازما للمُصابين

يتّم أخذ عيّنات دم من المُتعافين واستخلاص البلازما منه بما مقداره 200 إلى 500 مل، بحيث تحتوي هذه العيّنات على الأجسام المُضادّة لكوفيد-19 ما يُعطيها اسم "بلازما النقاهة"، وبالطبع قبل إعطاء البلازما المريض يتّم فحص زمرة دمه لمُراعاة التطابق (ABO-compatible) إضافة إلى فحص المُتبرّع والتحقُّق من خلوُّه من أي أمراض مُعدية أُخرى، بعد ذلك تُعطَى للمريض عبر الوريد.

ومن الممكن تفسير قدرة البلازما على التأثير على الأمراض الفيروسيّة بطريقة إيجابيّة بسبب استطاعتها تثبيط الفيروسات بالدم، والتي عادةً ما تصِل لأعلى مستوىً لها في الأسبوع الأول من العدوى، يلي ذلك تفعيل المقاومة الأوليّة في الجسم عبر رفع مستوى الاستجابة المناعيّة من اليوم رقم 10 إلى 14 تقريبًا من عُمر العدوى، وهو ما يؤدّي إلى تخليص الجسم وخلاياه من الفيروس، بالتالي فإنّ الاختصاصيين يُفضّلون إعطاء البلازما المُستخلصَة من المُتعافين للمرضى في مرحلة مبكّرة من العدوى.

علاج كوفيد-19 بالبلازما

فيروس كورونا المُستجد وما يُسبّبه لغاية الآن من خسائر بالأرواح والأموال، لم تتعدّ حُلوله اتبّاع وسائل الوقاية اللّازمة التي أصبحت بمتناول الجميع، وباقي ما يُشاع عن علاجات أو لقاحات ما هو إلا تجارب تخضع للنفي أو التوكيد، ولغاية الآن لا يوجد أي علاج فعّال ومُعتمَد بشكل رسمي لكوفيد-19.

وحال كوفيد-19 كما بقيّة أنواع العدوى الفيروسيّة الأُخرى، إذ إنّ تجربة البلازما المُستخلصَة من دم المُتعافين من المرض قد تصلُح كعلاج للمرض كما يقول الخُبراء، إلّا أنّه وبالطبع يجب تجربتها والتحقُّق من أمان استخدامها وفعاليّتها على المرضى، وقد أوصَت بعض الدراسات بضرورة توجيه الجهود نحو استخلاص البلازما من المُتعافين من كوفيد-19؛ بغرض تعجيل إنتاج واستخدام مثل هذه المُنتجات التي قد تُساهم في علاج المَرضى المُصابين بهذا الفيروس المُستَجد SARS-CoV-2، إضافةً إلى إنشاء قاعدة من البيانات التي يتّم تجميعها وتحليلها لمعرفة العوامل التي قد تتنبأ بالفعاليّة العلاجيّة للبلازما ومدى جدوى المِضيّ بمثل هذه الإجراءات.

المراجع

  1. Chen, L., Xiong, J. and Shi, Y. 2020. Convalescent plasma as a potential therapy for COVID-19. The Lancet. Retrieved from https://www.thelancet.com/article/S1473-3099(20)30141-9/fulltext
  2. Joyner, M. et al,. 2020. Early Safety Indicators of COVID-19 Convalescent Plasma in 5,000 Patients. Medrxiv. Retrieved from https://www.medrxiv.org/content/10.1101/2020.05.12.20099879v1.full.pdf
  3. Bloch, E. et al,. 2020. Deployment of convalescent plasma for the prevention and treatment of COVID-19. Retrieved fromhttps://www.jci.org/articles/view/138745
  4. Roback, J. and Guarner, J. 2020. Convalescent Plasma to Treat COVID-19 Possibilities and Challenges. JAMA.Retrieved from https://jamanetwork.com/journals/jama/fullarticle/2763982

#بلازما النقاهة #SARS-CoV-2 #كوفيد-19