اللقاح الروسي ضد كوفيد-19، الإعلان عن فعاليّته قبل الانتهاء من التجارب البشريّة المُقرّرة عليه

اللقاح الروسي الجديد ضد كوفيد-19، أهو سبقٌ طبيّ في مجال تصنيع الأدوية أم مجرد نتيجة حتميّة للسباق المحموم الذي تقوده دول العالم لحيازة أكبر عدد من عقود تصنيع اللقاح وتصديرها؟؟؟

أشعل تصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مواقع الإنترنت والشبكات الإخباريّة حول العالم بإعلانه عن التوصُّل للقاح ناجح وفعّال ضد فيروس كورونا المُستجد، ولم يكتِفِ الرئيس الروسي بالإعلان عن التوصُّل للقاح كوفيد-19 إنمّا عمِد إلى تدعيم نجاح هذا اللقاح عبر تأكيده تلقّي إحدى ابنتيه له، موّضحًا بأنّها لم تعاني حال تلقّيها اللقاح إلّا من حمّى طفيفة، وهو أمرٌ طبيعيّ بحسب قوله، وفور انتهاء الإعلان تلقّت روسيا طلبات للحصول على اللقاح الروسي ممّا يُقارب من 20 دولة حول العالم.

تجدر الإشارة إلى أنّ رئيس الصندوق السيادي الروسي كيريل ديمتروف المُشارك في عمليّة تطوير اللقاح قد سبق وأعلن بأنّ المرحلة الثالثة من التجارب ستبدأ الأربعاء المُقبل.

وكانت روسيا قد دشّنت تجربتها في تصنيع لقاح ضد كوفيد-19 عبر إجرائه في مركز غمالياGamalya القومي لعلم الأوبئة والأحياء الدقيقة بالتعاون مع وزارة الدفاع الروسيّة، حيث جرت المرحلة الأُولى في جامعة ستيشنوف، وقد أطلقت على اللقاح اسم Sputnik Vتيمنًا باسم أول قمر صناعي أطلقه الاتحاد الروسي عام 1957، ويُتوقع أن يتّم تسجيل اللقاح بشكلٍ رسمي خلال الأيام القادمة من الشهر الحالي ليتّم اعتماده والبدء بإنتاجه أيلول المُقبل، ووسط ما يتداوله العالم في هذه اللحظات من تساؤلات كثيرة حول أمان وفعاليّة اللقاح الروسي الجديد، يقولAlexander Gintzburgمدير مركز غماليا الذي يحتضن تجارب اللقاح، بأنّ اللقاح يعتمد على الفيروسات الغُدانيّة (التي تتسبّب بنزلات البرد الاعتياديّة) التي جرى إضعافها وهي تتوّلى التعبير الجيني للبروتين الشوكي Spike protein لفيروس كورونا SARS-CoV-2في خلايا الجسم، ما يعني عدم مقدرته على التكاثر داخل الجسم مُشيرًا إلى أمان استخدامه، على حدّ تعبيره.

وقد واجه إعلان روسيا بتوصلُّها للقاح مُضاد لكوفيد-19 سيلًا من التشكيكات بمدى أمان استخدامه تبعًا لِقصَر الفترة الزمنيّة التي خضع لها، وقد خرجت كبيرة علماء منظمة الصحة العالميّة لتحذر من التسرُّع في إنتاج اللقاح وتُشدّد على ضرورة التقيُّد بالشروط والقواعد الصارمة الموضوعة لهذا الغرض.

لم تُستكمَل المرحلة الثالثة بعد!

نظرًا لشُح المعلومات الدقيقة بما يتعلّق بلقاح Sputnik V، فإنّ المعلومات المُتوافرة حتى الآن على لسان بعض المسؤولين أو المُشرفين على سير مراحل اللقاح تُشير إلى أنّ النتائج التي سبقت المراحل السريريّة والتي جرت على القرود والهامستر كانت جيدة وأظهرت فعاليّة اللقاح، وحال الانتهاء منها انتقل الباحثون لتجربة اللقاح على الإنسان بمرحلته الأُولى منتصف حزيران الفائت، وقد شملت عددًا قليلًا جدًا.

وعادةً ما تكون المرحلة السريريّة الأُولى ذات أهميّة لدى الباحثين لأنّها تستهدف الكشف عن مدى أمان اللقاح وفعاليّته وتحديد الجرعة الأنسب ومحاولة معرفة الآثار الجانبيّة التي قد تنشأ عن استخدامه، وهي قد تستمر لأشهر وسنوات إلى حين التحقُّق الفعلي من النتائج من ثمّ القفز للمراحل التالية، وفي ظل الإعلان عن اللقاح الروسي بعد وقتٍ قصير من تجربة المرحلة الأُولى فإنّ الكثير من المخاوف والشكوك تحوم حول مدى أمان وفعاليّة لقاح "سبوتنيك V".

وتأتي أهميّة المرحلة الثالثة من تجربة اللقاح الروسي في قدرتها على توكيد قدرته على الحد من انتشار كوفيد-19، إذ إنّ هذه المرحلة يُفترض أن تضُم آلاف المتطوّعين ممّن يتلقَّون الجرعات التي جرى تحديدها والاتفّاق عليها سابقًا ضمن المراحل الأولى من التجارب السريريّة، وهو ما يُتيح فرصة ظهور الآثار الجانبيّة بشكلٍ جليّ في حال وجودها بسبب أعداد المتطوّعين الكبيرة التي تشملها هذه المرحلة.

بعض من دول الشرق الأوسط، أمريكا اللاتينيّة والفلبين ستكون مسرح اختبار اللقاح في مرحلته الثالثة!

ذكر موقع Nature المعروف بأنّ المرحلة الثالثة من تجربة لقاح سبوتنيك V المُزمع البدء بها هذا الشهر، ستشمل عددًا من دول الشرق الأوسط (السعودية والإمارات العربية المتحدّة) وبعض دول أمريكا اللاتينية والفلبين التي سبق وأن أبدت حماسًا منقطع النظير برغبتها الاستفادة من اللقاح الروسي المنتظر.

لطالما كانت الدول التي تملك أدوات المعرفة والعلوم أقدر أن تنأى بشعوبها بعيدًا عن مسارح الاختبارات غير المعلوم عواقبها، لا سيّما إذا ما كان المُستهدف من هذا هو الصحّة.

لا أبحاث علميّة تُعزّز النتائج المبشّرة التي ينادي بها الروس

تجدر الإشارة إلى أنّ النتائج السريريّة في المراحل الأوليّة لم يُعلَن عنها إلّا عبر وسائل الإعلام وبدون تفاصيل دقيقة كالتي سبق وأن تزامنت مع الإعلان عن بعض اللقاحات الأُخرى حول العالم، وفي هذا الصدد يؤكّد البروفيسور كيث نيل الأستاذ الفخري في علم الأوبئة للأمراض المعدية في جامعة نوتنغهام في بريطانيا بأنّه من غير الممكن الحُكم على مدى نجاعة وفعاليّة اللقاح الروسي إلّا بعد تقديم الأوراق العلميّة المتعلّقة بالتجارب بغرض تحليل النتائج، ومن الممكن أن تحتوي على مشاكل تتعلّق بجودة البيانات.

آراء العلماء والاختصاصيين في اللقاح الروسي Sputnik V

تعالت الأصوات المُناديَة بضرورة التريُّث وعدم التسليم المُطلَق بنجاعة اللقاح الروسي الذي جرى الإعلان عنه في 11 من آب، وقد كان لعددٍ من العلماء والاختصاصيين بعض الآراء والتساؤلات في هذا السياق، نُورِد منها التالية:

البروفيسور بيتر أوبينشو أستاذ الطب التجريبي في المعهد الوطني للقلب والرئة في كلية إمبريال في لندن، استنكر الإعلان الروسي عن اللقاح في حِين أنّ التقارير الواردة من موسكو تُشير إلى أنّ التجارب السريريّة على الإنسان لم يمضِ عليها أكثر من شهرين بما مجموعه 38 مُتطوّع، ما يُشير بأنّ التجارب ما زالت في المرحلة الأُولى أو الثانية، ويُضيف بأنّ ما ورد إليه من معلومات عن عدد المتطوّعين في المرحلة الثالثة سيكون بقرابة 1600 متطوّع فقط، وهو عدد غير كبير وغير مُجدِ للخروج بنتائج دقيقة.

وعلّق البروفيسور أوبينشو على استهداف اللقاح للأشخاص الأصحّاء من غير الفئات المُعرّضة للخطر (من أصحاب الأمراض المُزمنة وغيرها) مُشيرًا إلى أنّه أمر يُثير المخاوف ويستدعي الاهتمام.

أمّا البروفيسور مايك تيرنر مدير العلوم في "ويلكم" في لندن، بأنّه من المهم ان تتعامل روسيا مع العالم بصدق وشفافيّة وتستعرض التفاصيل الدقيقة للتجارب التي أجرتها على اللقاح عبر مصادر علميّة موّثقة ومُتاحة للجميع، ويُضيف بأنّه لا بُدّ أن تجري التجارب على اللقاح الجديد ضمن 3 مراحل أساسيّة تضمن أمان استخدامه وفعاليّته ضد كوفيد-19.

بينما حذّر البروفيسور فرانسيسكو باللوكس أستاذ بيولوجيا النظم الحسابيّة في جامعة لندن من العواقب الوخيمة التي قد تجنيها المُجتمعات في حال عدم إتمام المراحل المُقرّرة بشكلٍ دقيق كما جرت العادة، إذ إنّه وفي حال ظهور آثار جانبيّة نتيجة خطأ ما في اللقاح فإنّ ثقة الناس حول العالم في اللقاحات ستهتّز، ما سيجعل عمليّة إقناعهم مرة أُخرى بضرورة تقبُّل اللقاحات أمرًا ليس بالهيّن وذو عواقب غير محمودة.

أمّا عالم الأوبئة في جامعة ولونغونغ في استراليا Gideon Meyerowitz-Katz، انتقد اللقاح الروسي الذي طغى صِيته في الأيام الأخيرة وتساءل في مقالةٍ نشرها في صحيفة الغارديان البريطانيّة حول مدى أمان وفعاليّة اللقاح الروسي، وأضاف بأنّ الفرق الوحيد بين هذا اللقاح واللقاحات الأُخرى التي تجري عليها الاختبارات هو تخطّي لقاح سبوتنيك v لأغلب المراحل التجريبيّة التي يجب أم يمرّ بها اللقاح.

المراحل التي تمر بها اللقاحات أو الأودية عند اختبارها

وقد أردف عالم الأوبئة Gideon Meyerowitz-Katz في ذات المقال بأنّ على أي لقاح أو دواء جديد أن يمرُ بما مجموعه أربع مراحل تنقسم كالاتي:

  1. المرحلة الأولى: تتضمّن هذه المرحلة إعطاء اللقاح لمجموعة صغيرة من الأشخاص بجرعات مختلفة بهدف تحديد الجرعة الأنسب والأكثر أمانًا.
  2. المرحلة الثانية: ينتقل الخبراء والباحثين بعد ذلك للمرحلة الثاني والتي تشتمل على تجربة اللقاح على مجموعة أكبر من الأشخاص بما يُقارب المئات، بحيث تتّم مقارنة النتائج بين المجموعة التي تلقّت المطعوم أو اللقاح وبين المجموعة الضابطة Control group التي لم تتلقّاه، وتهدف هذه المرحلة إلى: توكيد الحصول على استجابة مناعيّة للقاح في الجسم والتحقُّق من وجود أي آثار جانبيّة خطيرة له.
  3. المرحلة الثالثة: تشتمل هذه المرحلة عددًا أكبر من الأشخاص -يصِل للآلاف- بُغية التحقُّق من فعاليّة اللقاح ضد المرض من عدمه، وتتضمّن تقسيم المُتطوّعين لمجموعتين بشكل عشوائي أحدها تتلقّى اللقاح والأُخرى لا تتلقّاه (المجموعة الضابطة) ومن ثمّ مُراقبة استجابة المُتطوّعين خلال أشهر لتسجيل النتائج والتحقُّق من النتائج الأوليّة التي سبق الحصول عليها.
  4. المرحلة الرابعة: وهي المرحلة اللاحقة لترخيص اللقاح ورفد الأسواق به، وتتضمّن رصد الحالات النادرة التي تنشأ جرّاء أخذ اللقاح، وهي لا يمكن الكشف عنها إلّا بعد تطعيم أكبر عدد من الأشخاص به.

ووسط هذه المراحل المُعتمدة لترخيص اللقاح وإتاحة استخدامه للناس، يقفز السؤال البديهيّ: أين اللقاح الروسيّ من هذه المراحل؟؟ وما الذي يضمن فعاليّته وأمانه إذا كان عمر التجارب التي وقعت عليه لم تتجاوز الشهرين؟!!

#فيروس كورونا المُستجد #كوفيد-19 #اللقاح الروسي #SARS-CoV-2