الصيام والصحّة وكوفيد-19، ما هي العلاقة بينهم؟

يُطِل شهر رمضان المُبارك على المُسلمين من كُل عام حاملًا معه نسمات إيمانيّة على كل بيت، بحيث تفرض الكثير من العادات المُتوارثة "الإيجابيّة" نفسها في هذا الشهر صانعةً أجواءً تُضفي على النفس سعادة من نوعٍ آخر. رمضان المُبارك وهو الشهر القمري التاسع من السنة الهجريّة يحُط رِحاله كُل عام لمدّة 29 أو 30 يومًا، وهو يتقدّم كُل عام 11 يومًا بالنسبة للتقويم الشمسي، ما ينجُم عنه اختلاف الفصل الذي يتقاطع مع رمضان كُل 33 سنة، بمعنى أنّ رمضان قد يأتي في فصل الشتاء في سنةٍ ما وبعد ما يُقارب 33 عامًا سيأتي في فصل الصيف.

يقتضي شهر رمضان امتناع المسلمين عن الطعام والشراب والشهوات من الفجر حتى المغرب، بالتالي عادةً ما يتضمّن هذا الشهر الفضيل اعتماد المُسلمين على وجبتين رئيسيّتين، وهُما وجبة الفطور التي تأتي بعد أذان المغرب ووجبة السحور التي تسبق أذان الفجر، وعلى الرغم من الامتناع عن الطعام والشراب خلال فترة ليست بالقصيرة من النهار (خصوصًا في أيام الصيف) إلّا أنّ العديد من الدراسات أثبتت بأنّ للصيام العديد من الفوائد الصحيّة التي تعود بالنفع على الجسم بشكلٍ عام، وذلك على عكس ما يعتقده البعض من احتماليّة تسبُّب الصيام بإجهادٍ وإرهاق ومشاكل صحيّة.

يُعدّ شهر رمضان الفضيل فرصة للعديد من الأشخاص لإعادة موازنة أنظمتهم الغذائيّة والاعتماد على عادات صحيّة متوازنة عِوضًا عن الإفراط في الطعام والشراب والتسبُّب بمشاكل جمّة على الصحة، يُذكَر بأنّ الله عزّ وجل عندما فرض الصيام استثنى من عباده مجموعة من أصحاب الأعذار ممّن لا يُطيقون الصيام لأسبابٍ صحيّة أو لأسبابٍ ظرفيّة، فمثلًا أُعطيَت الحامل والمُرضع رخصةً للإفطار في رمضان في حال عدم القدرة على أداء هذه الفريضة لِما قد ينجُم عنه من إضرارٍ بصحّتها أو بصحّة طفلها أو جنينها، أيضًا أُعفِيت الحائض والنَفساء من الصيام إلى جانب المَرضى والمُسافرين ضمن شروطٍ مُحدّدة يضعها أهل العلم من الدين المُختّصين في أُمور الفُتوى.

الصيام والصحة بشكل عام

لا بُدّ وأنّ امتناع الفرد عن الطعام والشراب طِيلة نهار رمضان الذي قد يتراوح أحيانًا بين 12 إلى 19 ساعة له أثر واضح على الأداء والنشاط، وبالطبع على الصحّة. تمكّنت العديد من الدراسات من تسليط الضوء على أثر الصيام على الصحّة من كافّة النواحي وخلُصَت إلى العديد من الاستنتاجات التي قد تكون ذو فائدة في هذا الشأن.

في الصيام يقوم الجسم بالاعتماد على العناصر الغذائيّة التي تمّ تخزينها في الجسم للحصول على الطاقة، إذ إنّه يقوم بهضم وامتصاص آخر وجبة تناولها بعد ما يُقارب 8 إلى 12 ساعة، ليبدأ بعدها إجراء العديد من التغييرات الداخليّة في الجسم للاستفادة من المخزون، فمثلًا يتّم تغيير مستويات بعض الهرمونات في الجسم في سبيل الحصول على الطاقة، مثل هرمون الإنسولين الذي يقوم الجسم بإنتاجه بكميات أقل ليتسنّى استخدام الطاقة المُخزّنة عبر الجلايكوجين والدهون، إذ إنّه في المقابل يتّم إنتاج الهرمونات المُضادّة للإنسولين بكميّات أعلى مثل الجلوكاجون وإبينيفرين وغيرها والتي تُساعد بدورها على الحصول على هذه الطاقة.

وفي حين يُقرّ العديد من الباحثين وأصحاب الاختصاص بفائدة الصيام ونفعه العائد على الجسم، يُنصَح البعض الآخر بعدم الصِيام –وهُم من أصحاب الأعذار- نظرًا للآثار الصحيّة السلبيّة التي قد تلحَق بهم لمُعاناتهم من أنواع معيّنة من الأمراض المُزمنة، وقد ركّزت الدراسات والأبحاث على مرضى القلب والسكري بشكلٍ خاص وما قد يتسبّب به الصيام من آثار.

تأثير الصيام على مرضى القلب

توّصلّت بعض الدراسات إلى أنّ الصيام قد يكون ذو أثرٍ إيجابي على مرضى القلب، إذ إنّ مستوى الكولِسترول النافع (HDL) يرتفع بينما ينخفض الكولِسترول الضار (LDL) لدى الصائمين، وفي بعض الدراسات الأُخرى تبيّن انخفاض مستوى الدهون الثلاثيّة والكولِسترول ككُل، إلى جانب دراسة أُخرى توّصلّت إلى أنّ المرضى الذين يُعانون من أمراض القلب التاجيّة أظهروا تحسُنًا ملحوظًا أثناء رمضان بعد 10 أيام تقريبًا من الصيام، بالتالي فإنّ هذه التغييرات في مستويات الدهون والكولسترول خفّضت من مخاطر أمراض القلب وكانت ذو أثرٍ إيجابيّ.

تأثير الصيام على مرضى السكري

يُعدّ مرض السكري ذو اهتمامٍ خاص أثناء فترة الصيام في رمضان لدى الأطبّاء واختصاصيي التغذية، وقد تعدّدت الأبحاث والدراسات التي اختّصت في هذا الشأن؛ وذلك لارتفاع احتماليّة تعرُّض هؤلاء المرضى لارتفاع مستويات السكر (الجلوكوز) أو انخفاضها أثناء الصيام. يُمكن تقسيم مرضى السكري لنوعين، الفئة الأُولى هُم أُولئك الذين يعتمدون بشكلٍ رئيسيّ على الإنسولين بحيث يجب أن يبقى مستوى السكر في الدم تحت المُراقبة لصعوبة السيطرة عليه والفئة الثانية هُم الذين لا يعتمدون على الإنسولين لضبط مستوى السكر في الدم وإنمّا يكفي اعتمادهم على الحميات الغذائيّة والأدوية الفمويّة، بالتالي فإنّ الفئة الأولى لا يُمكن لهم الصيام لتأثيره السلبي عليهم، أمّا الفئة الثانية فيُمكنها الصيام بعد استشارة الاختصاصي المسؤول عن الحالة، بحيث يستطيع تقييم استطاعة المريض من عدمها وإعادة ضبط مواعيد الوجبات تزامنًا مع الأدوية والجُرعات، وفي الحالات التي ينخفض معها مستوى الجلوكوز أثناء الصيام يجب أن يقطع المريض صيامه ويُسيطر على هذا الانخفاض، لِذا فإنّ إشراف المُختّص المُباشر على اتخاذ مثل هذا القرار أمر بالغ الأهميّة لدى مرضى السكري.

وقد استطاعت العديد من الدراسات والأبحاث التوصل لنتائج واعدة تتعلّق بآثار الصيام الإيجابيّة، إذ إنّ الصيام يُحسّن مستويات السكر الكُليّة في الجسم بشكلٍ عام، إضافة إلى أنّه يُحسّن من مستويات الدهون والواسمات الالتهابيّة، وهذه الأخيرة يبقى تأثيرها لفترة طويلة بعد الصيام.

تأثير الصيام على الكُلى

بالطبع يخشى الكثيرين على صحّة جهازهم البَولي مُمثلًا بالكُلى أثناء الصيام؛ وذلك بسبب الامتناع لساعاتٍ طويلة عن شُرب الماء خصوصًا إذا كان رمضان في فصل الصيف، إلّا أنّ الجسم يستجيب لحالة الصيام عبر تخفيض معدل طرح البَول وتركيزه عند التخلُّص منه، ولا يُعد الجفاف الناجم عن الصيام أمرًا خطيرًا أو ذو عواقب سلبيّة على الجسم على أن يُعوّض الصائم حاجته من الماء بعد الإفطار وعدم إهمال هذه الحاجة بتاتًا، إذ إنّ عدم تعويض حاجة الجسم من الماء قد يكون خطيرًا لدرجة قاتلة أحيانًا، وفي الحالات التي يلحَظ بها الشخص أيّ من أعراض الجفاف (الدُوار، الخُمول، تشنج العضلات، الارتباك أو الإغماء) فيجب أن يُعوّض نقص الماء في الجسم ويحُل مشكلة الجفاف التي يعاني منها.

أمّا المرضى الذين يُعانون من أمراض الكُلى المُزمنة فعليهم استشارة الاختصاصي المسؤول عن حالتهم قبل اتّخاذ قرار الصيام لِما قد يكون له من أثرٍ سلبي على صحتهم، أمّا المرضى الذين يُعانون من حصَى الكُلى فيجب عليهم الحرص على شرب كميّات وافرة من الماء أثناء فترة ما بعد الإفطار للإبقاء على الكميّة اللازمة من السوائل في الجسم قدر الإمكان وعدم مُفاقمة الحالة.

تأثير الصيام على الصحّة النفسيّة والمِزاج

ركّزت العديد من الدراسات على معرفة وتحديد سبب تغيير مِزاج الصائمين، وقد تبيّن بأنّ العديد من العوامل تلعب دورًا مهمًّا في تعرُّض الصائم لموجاتٍ من الغضب وتغييرٍ في المِزاج؛ ويعود السبب في ذلك أولًا لاختلاف مستوى النشاط الناجم عن الامتناع عن مصدر الطاقة الأول ألا وهو الطعام، إضافة إلى أنّ اختلاف الساعة البيولوجيّة للشخص الصائم بتبديل ساعات نومه الاعتياديّة يكون غالبًا ذو أثرٍ سلبي على مِزاجه وصحّته النفسيّة.

وقد تبيّن لدى العديد من الدراسات أنّ الإصابة بالصُداع كان شائعًا لدى العديد من الصائمين خصوصًا أولئك الأكثر عُرضة للإصابة بالصداع في الأيام الاعتياديّة، وقد سُجّل ما نسبته 78% من حالات الصداع التوتري تحديدًا، ويُعزَى سبب ذلك إلى أولًا الامتناع عن تناول المشروبات التي تحتوي على الكافيين (الشاي والقهوة وغيرها) إضافة إلى النيكوتين، أيضًا يلعب انخفاض السكر في الدم دورًا في هذا.

الصيام وكوفيد-19

مع انتشار جائحة كوفيد-19 تزامنًا مع شهر رمضان المُبارك الذي يحُل كُل عام عزيزًا على قلب كُل مسلم، تعالَت الأصوات المُناديَة بضرورة أخذ الحذر من قِبَل الصائمين وإمكانيّة ارتباط خطورة كوفيد-19 مع الصيام، وفي حين تؤكّد منظمة الصحّة العالميّة أنّه لغاية اللحظة لا بحوث تُشير إلى أي علاقة بين ارتفاع خطورة الإصابة بكوفيد-19 بين الصائمين، فإنّ الاختصاصيين يُؤكدُّون قدرة الأصحّاء وكما جرت العادة على الصيام بشكلٍ طبيعي واعتيادي مع ضرورة أخذ جميع الإجراءات الوقائيّة بعين الاعتبار، مثل شرب كميّات وافرة من الماء بعد الإفطار والحِرص على تناول الأطعمة الصحيّة التي من شأنها أن تُعزّز من جهاز المناعة وترفع من كفاءته مثل الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة وغير ذلك، إلى جانب الالتزام بالمعايير الأخُرى من النظافة الشخصيّة وتعقيم الأيدي والحِفاظ على التباعد الاجتماعي قدر المُستطاع، أمّا مَرضى كوفيد-19 فيعود أمر أخذهم للرُخصة الشرعيّة بالإفطار إلى ما يُقرّره الطبيب المسؤول عن إمكانيّتهم البدنيّة والصحيّة من عدمها.

وفي حين يستقبل المُسلمين في كُل أصقاع العالم "رمضانهم" بنكهةٍ لم يعهدوها من قبل، إذ غُلّقت المساجد ومُنِعت جميع مظاهر الاجتماعات العائليّة التي كانت تُميّز رمضان، يبقى التزامهم بعد أدائهم لفرائضهم بضرورة الحِرص على صحّتهم في هذا الشهر الفضيل أكثر ما قد يُمكّنهم من مُجابهة الكثير من الأمراض من بينها كوفيد-19.

نصائح وتوصيات عامّة للحِفاظ على صحّة الجسم في رمضان

يُمكن الحِفاظ على نظام صحّي وغذائي متوازن في رمضان بحيث تُراعَى حاجة الجسم لمختلف الأصناف، ويُمكن تلخيص أهم النصائح بالتالية:

  • الحِرص على تناول حصص كافية من الخضراوات والفواكه يوميًا.
  • تناول الحبوب كمصدر رئيسي للكربوهيدرات.
  • تناول الأطعمة التي تحتوي على البروتينات قليلة الدهون مثل: الأسماك (بمعدل مرتين أسبوعيًا)، وبعض أنواع الحبوب النباتيّة مثل: الفاصولياء، البقوليات، المكسّرات والبذور.
  • الحِرص على استعمال الزيوت النباتيّة الصحيّة لأغراض الطبيخ مثل: زيت الزيتون، زيت الكانولا وغيرهم من الزيوت غير المُشبعة.
  • تناول مشتقّات الألبان قليلة الدسم مثل: اللبن الرائب، الحليب منزوع الدسم والأجبان.
  • تناول كميّات كافية من الماء لتعويض الجفاف، ومحاولة تقليل كافّة أنواع المشروبات التي تحتوي على السكر أو تلك المُدرّة للبَول، مثل: القهوة، الشاي الأحمر والمشروبات الغازيّة.

المراجع

  1. Laiper, J and Molla, A. 2003. Effects on health of fluid restriction during fasting in Ramadan. European Journal of Clinical Nutrition. 57, pagesS30–S38. Retrieved from https://www.nature.com/articles/1601899/
  2. Rafie, C. and Sohail, M. 2016. Fasting During Ramadan: Nutrition and Health Impacts and Food Safety Recommendations. Retrieved from https://vtechworks.lib.vt.edu/bitstream/handle/10919/75583/HNFE-351.pdf?sequence=1
  3. World Health Organization (WHO). Safe Ramadan practices in the context of the COVID-19. Retrieved April 15, 2020 https://apps.who.int/iris/bitstream/handle/10665/331767/WHO-2019-nCoV-Ramadan-2020.1-eng.pdf
  4. Trepanowski, JF. And Bloomer, RJ. 2010. The impact of religious fasting on human health. Nutr J. Retrieved fromhttps://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/21092212

#كوفيد-19 #مرضى السكري #أمراض القلب # الصيام #الصُداع