التسمم الغذائي: أسبابه، أعراضه وطرق علاجه

لعلّ حالات التسمُّم الغذائي التي بدأت تتفاقم خلال الأسبوع الفائت باتت أكثر ما يتداوله الناس في الوقت الحاليّ، وبالطبع فإنّ المصادر الغذائيّة التي تهُم المُستهلك والتي يعتمد عليها المواطنون بشكلٍ رئيسيّ أصبحت موضوع البحث الرئيسيّ عبر صفحات الإنترنت. إذ إنّه وبعد تسجيل حالتي وفاة لشخصين (أحدهما طفل يبلغ من العمر 5 سنوات والآخر شاب في الأربعين من عُمره) كانت نقطة تحوُّل جذريّة صعدت بهذه القضية لتتصدّر المشهد الأردني العام وتشغل عقول الغالبيّة؛ كيف لا واعتماد المواطنين على مطاعم الوجبات السريعة خصوصًا تلك التي تبيع الشاورما يُعدّ الأعلى.

لِذا لا بُدّ وفي ضوء ما يتبادله الشارع الأردني من إشاعات تتهّم هذه البكتيريا في حين وتُبرّىء ساحة أُخرى من ضلوعها في التسمُّم الغذائي الحاصل في حينٍ آخر، أن يتّم توضيح أنواع البكتيريا التي قد تتكاثر على الأطعمة المُباعة مثل الدجاج أو اللحوم أو غيرها من الأطعمة المُعرّضة أكثر من غيرها للفساد بسبب احتوائها على مكوّنات رطبة تساعدها على تحفيز تكاثر البكتيريا بصورة غير طبيعيّة بعد تعرُّضها لعوامل أًخرى مُلائمة لها مثل درجات الحرارة المرتفعة والرطوبة وغير ذلك.

أنواع البكتيريا التي قد تتسبّب بالتسمم الغذائي

  • العطيفة Campylobacter jejuni:هي أحد أنواع البكتيريا التي تتواجد في أمعاء الدواجن (يُعدّ الدجاج المُباع بالتجزئة أحد أكثر مصادر عزل بكتيريا العطيفة 50 إلى 70%)، الماشية أو الديوك الروميّة أو من الممكن عزلها عن أسطح الماء الملوّث، لِذا فإنّها قد تنتقل للإنسان عبر استهلاك أحد هذه المصادر في حال تلوُّثها بالبكتيريا، وتعود معظم الحالات المُسجّلة بداء العطيفة (العطائف) إلى تناول الدجاج إمّا غير المطبوخ جيدًا أو النيء إضافة إلى شرب الحليب غير المغلي (الخام).

تظهر أعراض الإصابة ببكتيريا العطيفة C. jejuni على الأشخاص المُصابين بعد فترة الحضانة للبكتيريا والتي تتراوح بين 2 إلى 5 أيام، ويُعدّ الإسهال الذي قد يترافق مع الدماء أحيانًا أحد أكثر الأعراض الظاهرة على المُصابين، إضافة إلى حمّى مرتفعة، تهيُّج حاد في الأمعاء مع احتماليّة تقرُّحها (وهو سبب الدم مع البراز).

يمر الدجاج بأكثر من مرحلة في رحلته من المزرعة إلى ثلاجات الباعة، وتحتاج كُل مرحلة منها إلى الكثير من العناية ومراعاة الالتزام بكافة معايير وشروط السلامة من تعقيم ونظافة غيرها، إذ إنّ السيطرة على الدواجن في المزارع من الإصابة ببكتيريا العطيفة مثلًا، يحتاج إلى الاهتمام بالكثير من الأمور كأن تُراعى مصادر الشرب التي تُقدَّم للدواجن، فقد وُجِد -اعتمادًا على الدراسات الميدانيّة- بأنّ تزويد مزارع الدواجن بمياه تحتوي على الكلور (بنسب مُحدّدة ومدروسة) ساعد بتقليل معدلات نمو البكتيريا داخل أمعائها. أمّا مرحلة تواجد الدجاج داخل المسلخ فإنّ اهتمامًا مُضاعفًا يجب أن يُعطَى من قِبَل المشرفين على هذه العمليّة، إذ تتعرّض الدجاجة لظروفٍ مختلفة من درجات حرارة وغيرها بُغية تنظيفها من ثمّ تقطيعها وتجهيزها للتغليف، وتُعدّ مرحلة إزالة الأحشاء وما يتبعها الأخطر، إذ إنّه سُجِّلت أعلى معدلات نمو بكتيري في الدجاج بعد مرحلة إزالة الأحشاء، بالتالي فإنّ المراحل اللاحقة لها تُعدّ ذات أهمية كبيرة خصوصًا أثناء تعريضها للتيارات الهوائيّة الباردة جدًا ما يُخفّض من مستويات البكتيريا الموجودة بما يُقارب 100 ضعف.

تستغرق فترة التعافي 5 إلى 8 أيام يعتمد خلالها المريض على تجنُّب الإصابة بالجفاف عبر تناول السوائل بكثرة، وفي حال عدم مقدرته يُمكن أن تُعطَى له بالوريد، لا يُنصَح بتناول أي مُضادّات حيويّة (للأشخاص الأصحّاء ممّن لا يُعانون من مشاكل صحيّة مُسبقة تُضعف أجهزتهم المناعيّة) إنمّا يُترَك الجسم ليتعافى من تلقاء نفسه. [1] [3] [4]

  • السالمونيلا أو السلمونيلَة Salmonella: أمّا هذا النوع من البكتيريا فهو قد ينتقل للإنسان بصورة رئيسيّة عبر تناول لحوم الأبقار أو الدواجن المُصابة بالسالمونيلا وغير المطبوخة جيدًا أو من البيض، تتراوح فترة حضانة السالمونيلا بين 8 إلى 48 ساعة تظهر بعدها مجموعة من الأعراض على الشخص المُصاب تستمر من 4 إلى 7 أيام غالبًا، مثل: [1]
  • الحمّى.
  • ألم في البطن.
  • الإسهال.
  • الغثيان.
  • الاستفراغ.
  • تشنجات في البطن.

حال ظهور الأعراض يُمكن الكشف عن الإصابة بالسالمونيلا عبر تحليل عيّنة من البُراز في المختبر، في معظم الحالات لا تُعد السالمونيلا خطيرة وغالبًا لا تستدعي العلاج؛ إذ يستطيع الجسم مقاومتها من تلقاء نفسه والتخلص منها، إلّا أنّ بعض الفئات قد تتعرّض لخطر الإصابة بمجموعة من المُضاعفات التي تحتاج للعناية والمراقبة مثل الأطفال دون سن الرابعة أو الأشخاص ذوو المناعة الضعيفة ممّن يُعانون من أمراضٍ معيّنة مثل فيروس نقص المناعة البشريّة HIV أو أُولئك الذين يتلقّون العلاجات الخاصّة بمرض السرطان وغير ذلك، وهو ما يقود الأطبّاء والاختصاصيين في هذه الحالات إلى وصف أنواع معيّنة من المُضادّات الحيويّة التي تساعدهم في تخطّي الإصابة. ولعلّ من أهم النصائح والتوصيات المُقدّمة لمرضى السالمونيلا هي ضرورة الحرص على تعويض السوائل المفقودة نتيجة الإسهال والإستفراغ لتجنُّب الجفاف قدر المُستطاع.[5] [6]

  • المطثية الحاطمة Clostriduim Perfringens: يمكن أن تتسبّب المطثيّة باختلال صحّي لبعض الأشخاص نتيجة تناولهم لأنواع من الأغذية الملوّثة بها، مثل: لحوم الأبقار والدواجن التي قد تحتوي على أعداد كبيرة من بكتيريا C. Perfringens إذ تقوم بإنتاج سموم داخل الأمعاء بما يكفي لأن يتسبّب بخلل متبوع بمجموعة من الأعراض تظهر غالبًا بعد 8 إلى 12 ساعة من الإصابة، منها: الإسهال (بشكلٍ رئيسيّ) ، ألم وتشنجات في البطن وغثيان؛ وتكمن إمراضيّة بكتيريا C. Perfringens بقدرتها على إنتاج ما يزيد عن 17 نوعًا مختلفًا من السُموم عند مكوثها في الأمعاء.

يُذكَر بأنّ هذا النوع من البكتيريا يمكن أن ينمو عند درجة حرارة 43 إلى 47 مئويّة، لِذا عند تحضير وجبات الطعام التي قد تحتوي على أيّ من مصادر تواجد بكتيريا C. Perfringens كالدجاج وتحت ظروف جويّة رطبة ومرتفعة الحرارة وإبقائها تحت وطأة هذه الظروف لفترة ليست بالقصيرة فإنّ ذلك يُحفّز نموّها، بالتالي وفي حال عدم إعادة تسخينها على درجات حرارة كافية للقضاء عليها قبل استهلاكها فإنّ ذلك سيُساعد على دخول البكتيريا حيّة للتجويف الهضمي ونموُّها في الأمعاء وإنتاج المواد السُميّة المُسبّبة للتوعُّك. [7] [8]

يُخشَى على المرضى غالبًا من حدوث الجفاف نتيجة الإسهال الذي يتعرّضون له، لِذا يُنصَح بتناول السوائل بوفرة وتجنُّب أيّ أدوية أو مُضادّات حيويّة -ما لم يُوصِي الطبيب بخلاف ذلك- وذلك حتى زوال الأعراض وتخلُّص الجسم من هذه البكتيريا وسُمومها، إذ تنقضي فترة الإصابة بعد ما يُقارب 24 ساعة. [9]

  • المكوّرة المعويّة البُرازيّة Enterococcus faecalis: هي أحد أنواع البكتيريا التي تتواجد بشكلٍ طبيعي في أمعاء الإنسان ومعظم أنواع الحيوانات، وفي حال استطاعت هذه البكتيريا أن تنفِذ إلى الدم فإنّها قد تتسبّب ببعض المشاكل الخطيرة مثل: تجرثم الدم Bacteremia، إضافة إلى التهاب المسالك البوليّة، التهاب السحايا والتهاب الشغاف (بطانة القلب) وغيرها من المشاكل الصحيّة الأُخرى نتيجة الوصول إلى أعضاء الجسم الأُخرى، إلّا أنّها في حال بقائها داخل الأمعاء فهي غير خطيرة ولا تتسبّب بآثار واضحة خصوصًا للأشخاص الأصحّاء،لكنّها قد تكون ذو آثارٍ واضحة لدى الأشخاص ذوو المناعة الضعيفة ممّن يُعانون من أمراض مُزمنة أو ممّن يخضعون لأحد علاجات السرطان التي تُضعِف جهاز المناعة.

تختلف الأعراض المُرافقة للإصابة بعدوى المكوّرة المَعديّة البُرازيّة حسب نوع العدوى ومكان اجتياحها، وهي تضُم كُل من الآتية:

  • الحمّى.
  • ألم في البطن.
  • الغثيان أو الاستفراغ.
  • الإسهال.
  • القشعريرة.

يُذكَر بأنّ المكورة المَعديّة البُرازيّة تنتقل من شخصٍ لآخر نتيجة عدم اتبّاع القواعد الأساسيّة للنظافة الشخصيّة، خصوصًا بعد التغوُط، إذ لا بُدّ من غسل اليدين جيدًا بما لا يقل عن 20 ثانية للتحقُّق من تعقيمهما وتنظيفهما جيدًا من أيّ نوع من البكتيريا والجراثيم. [1] [2]

نصائح عامّة للوقاية من الإصابة بالتسمّم الغذائي

نظرًا لتكرار حالات التسمُّم الغذائي التي بات يُعاني منها الكثير من الأشخاص خصوصًا في مواسم الصيف نتيجة ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة واعتمادهم على المطاعم والوجبات السريعة الجاهزة، فإنّ مجموعة من النصائح الوقائيّة يمكن اتبّاعها للحدّ من قدرة بعض أنواع البكتيريا الانتهازيّة على التكاثر والنمو ومن ثمّ تسبُّبها بأعراض مزعجة قد تتفاقم وتُصبح خطيرة فيما بعد، من أهم التوصيات:[10] [9][8]

  • الحِفاظ على نظافة اليدين عبر غسلهما جيدًا لمدّة لا تقِل عن 20 ثانية باستعمال الماء والصابون.
  • الحرص على غسل اليدين جيدًا بعد استخدام الحمام وقبل تناول الطعام.
  • يُفضّل استهلاك الطعام بعد طهيه بمدة لا تزيد عن ساعتين -أو ساعة في فصل الصيف- أو حفظه بالثلاجه على الفور، وإلّا فيجب إعادة تسخينه مرة أُخرى قبل تناوله بدرجة حرارة تصِل إلى ما يُقارب 74 مئويّة.
  • تجنُّب تناول الأطعمة (اللحوم والدواجن) النيِّئة أو غير المطبوخة جيدًا.
  • تعقيم الأدوات المُستخدمة في التحضير والتقطيع قبل البدء وبعد الانتهاء من تجهيز الطعام سواءً كان دجاج أو لحوم.
  • حفظ الأطعمة حال إعدادها إمّا على درجات حرارة أعلى من 60 مئوية أو تُساويها، أو تخزينها على درجة حرارة تُعادل 4.4 مئويّة أو أقل.
  • في حال التعامل المُباشر مع الدواجن أو البيض يُفضّل ارتداء قفّازات لتجنُّب انتقال أنواع من البكتيريا مثل السلمونيلة.
  • يُفضّل التخلُّص من الأطعمة التي مكثت لمدة طويلة معرّضة بشكل مباشر للهواء خارج الثلاجة وبعد التسخين، حتى لو بدَت غير فاسدة شكلًا أو رائحة.

المراجع

[1]Prescott LM, Harley JP & Klein DA. (1996). Microbiology. Mcgraw Hill: United States of America.

[2]Stephanie Watson. (2017). Enterococcus Faecalis. Retrieved fromhttps://www.healthline.com/health/enterococcus-faecalis

[3]Javid MH. (2019). Campylobacter Infections. Retrieved from https://emedicine.medscape.com/article/213720-overview#a4

[4]Centers for Disease Control and Prevention. (1999). Campylobacter jejuni—An Emerging Foodborne Pathogen. Retrieved from https://wwwnc.cdc.gov/eid/article/5/1/99-0104_article

[5]Gill RL. (2017). Salmonella Infections. Retrieved fromhttps://kidshealth.org/en/parents/salmonellosis.html

[6]Stoppler MC. (2020). Symptoms of Salmonella Food Poisoning. Retrieved from https://www.medicinenet.com/salmonella_food_poisoning_salmonellosis/article.htm

[7]Freedman JC, Shrestha A. and McClane BA. (2016). Clostridium perfringens Enterotoxin: Action, Genetics, and Translational Applications. Toxins (Basel). 8(3): 73. Retrieved from https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC4810218/

[8] Centers for Disease Control and Prevention. (2018). Clostridium perfringens. Retrieved from https://www.cdc.gov/foodsafety/diseases/clostridium-perfringens.html

[9] Healthwise Staff. (2020). Food Poisoning: Clostridium Perfringens. Retrieved from https://www.uofmhealth.org/health-library/te6324

[10] Rogers G. (2012). Salmonella Food Poisoning. Retrieved from https://www.healthline.com/health/salmonella-enterocolitis

#البكتيريا #التسمُّم الغذائي #الإسهال #السالمونيلا