(البكتيريا وكوفيد-19): شدّة الأعراض المُرافقة لكوفيد-19 قد تكون ذو صِلة وثيقة مع البكتيريا الموجودة في الأمعاء،،، دراسات جديدة

عاد فيروس كورونا المُستجد ليضرب من جديد القوة البشريّة في أطراف الأرض، إذ تُشير الإحصائيّات المُستمرة على مدار الساعة حتى اللحظة إلى أنّ إجمالي الإصابات المُسَجَلَة بكوفيد-19 حول العالم اقتربت من 92 مليونًا ونصف المليون، بينما بلغت أعداد الوفيّات 1,980,885 والأعداد في تزايد مُضطرِّد.

في ذات الوقت يُواصل العلماء والباحثين إجراء البحوث والدراسات بهدف فكّ شيفرة هذا الفيروس والتوصُّل للعلاقة التي تربط بين العوامل المُسبّبة له وكيفيّة تجنُّبه إذا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ناهيك عن الجهود المُضنيَة التي تُبذَل هنا وهناك لإيجاد التركيبة الأنجع لدواءٍ مُضاد يقضي على فيروس كورونا الجديد، ذلك بالتزامن مع بدء طرح اللقاحات التي تنتمي لمدارس بيولوجيّة مختلفة والتي بدأت تكتسح الأسواق الطبيّة بعد الحصول على موافقاتٍ عاجلة من الجهات المَعنيَة بإعطاء مثل هذه التراخيص، لعلَّها تكون بارقةَ أملٍ تنتهي بانقشاع غمامة هذا الوباء بأقل الأضرار وبآثار جانبيّة غير خطيرة في البعيد المُنتَظر.

مُضاعفات كوفيد-19 في الجهاز الهضمي وتأثير مستويات "الميكروبيوم"

في دراساتٍ عديدة أُجريَت مُؤخرًا تمّ الإشارة إلى تأثير كوفيد-19 على الجهاز الهضمي أُسوةً بالجهاز التنفسي، الذي أخذ جُّل الاهتمام جرّاء ما يتسبّب به من صعوبات تنفسيَّة تُحيل المَرضى لأن يُصبحوا أسرى أجهزة التنفس التي قد يكون ضررها أكثر من نفعها لاحقًا، إلّا أنّها السبيل الذي يملكه الأطباء والممرضين لتخفيف مُعاناة المريض في جهاده لالتقاط أنفاسه باتجاه رئتيه اللتان احتلَّهما فيروس كورونا وفتَك بخلاياهما.

في دراسة أعدّها الدكتور Heenam Kim الذي يعمل في كلية العلوم الصحيّة في جامعة كوريا/ كوريا الجنوبيّة، أشار إلى أنّه من الممكن أن تلعب الكائنات الدقيقة "الميكروبيوم" Microbiome التي تتعايش في الأمعاء دورًا مُهمًا في رفع حِدّة كوفيد-19 حال الإصابة به لدى المرضى؛ إذ يحتاج فيروس كورونا للإنزيم المُحوِّل للأنجيوتنسين (ACE2) -يتواجد بوفرة على أسطح الخلايا الطِلائيّة Epithelial cells المُكوِّنة لبِطانة أعضاء الجهاز التنفسي والجهاز الهضمي- ليلِج الخلايا بواسطة البروتين الشوكي Spike protein الموجود على الغلاف الخارجي للفيروس ليبدأ بالتكاثر مُسبِّبًا العدوى، لِذا يشعر بعض مرضى كوفيد-19 بأعراض ذات صِلة بالجهاز الهضمي، مثل: الاستفراغ، الغثيان والإسهال.

يُشير الدكتور كيم في ذات الدراسة المَنشورة في مجلة mBio إلى مدى تأثير البكتيريا النافعة "الميكروبيوم" الموجودة في الأمعاء على شدّة كوفيد-19 عند الإصابة به؛ إذ إنّه وبحسب دراسته فإنّ انخفاض معدل البكتيريا النافعة في الأمعاء لسببٍ ما قد يكون ذو علاقة وثيقة بارتفاع شدّة الأعراض المُرافقة لكوفيد-19، فمثلًا قد يُساهم كُل من مرض السكري، ارتفاع ضغط الدم والسُمنة بتغيير مستويات البكتيريا النافعة الموجودة في الأمعاء مُمهِّدًا الطريق لتكاثر وتزايد أنواع أُخرى من البكتيريا الانتهازيّة ذات التأثير السلبي على الجهاز الهضمي والجسم ككُل، ما يُضعِف الدفاعات المناعيّة ويُسهِّل مَهمّة اجتياح الفيروس لخلايا الجسم وتسبُّبه بأعراضٍ هضميّة شديدة وواضحة، خصوصًا لدى المُصابين بأيّ من الأمراض السابق ذِكرها، أو لدى معظم كِبار السِّن الذين اجتمع لديهم كِلا العامِلين: انخفاض تواجد البكتيريا النافعة في أمعائهم والإصابة بأيّ من الأمراض المُزمنة السالف ذِكرها؛ لِذا فإنّ وفيات كِبار السّن ممّن يبلغون 85 عامًا فأكثر تفوق الوفيات ضمن الفئة العُمريّة بين 18 إلى 29 عامًا بما يُقارب 360 مرة، وفقًا للمركز الأمريكي للسيطرة على الأمراض CDC.

أيضًا توَصَّل الباحثون عبر دراساتٍ بحثيّة مُتعدّدة وبعد تحليلهم لعيّنات مُختلفة من الدم، البَول والبُراز أُخِذَت من مرضى كوفيد-19 إلى أنّ انخفاض مستوى التنوُّع الحيوي للبكتيريا النافعة في التجويف الهضمي على حساب البكتيريا الضارّة أدّى إلى خلخلة بيئة "الميكروبيوم" -حالة تُعرَف باسم Dysbiosis- المَعويّة وأربك دفاعات الجسم المَناعيّة الّلازمة لمواجهة فيروس كورونا، فقد تبيَّن وجود وَفرة في بعض أنواع البكتيريا التي لا يُفضَّل أن تتخطَّى مُستوياتها حاجز مَعيّن، في ذات الوقت انخفضت أعداد البكتيريا النافعة التي يُحبَّذ زيادة أعدادها في الأمعاء بُغية الحِفاظ على بيئة الجهاز الهضمي سليمة وقوية في وجه أنواع العدوى المُختلفة، تاليًا أنواع البكتيريا التي تمّ فحص مستوياتها لدى مُصابي كوفيد-19:

مستويات مرتفعة من البكتيريا بعد كوفيد-19

مستويات مُنخفضة من البكتيريا بعد كوفيد-19

Ruminococcaceae gnavus

Faecalibacterium prausnitzii

Ruminococcaceae torques

Eubacterium rectale

Bacteriodes dorei & Bacteroides vulgatus

Actinobacteria

Lachnospiraceae

Bifidobacterium adolescentis

Lactobacillus ruminis

Bifidobacterium bifidum

Bifidobacterium dentium

Bifidobacterium longum

عطفًا على المُعطيات السابقة، ضمَّت دراسة أُخرى من الصين صوتها لِما أوردته الدراسة الكوريّة، بما يُشير إلى أنّ تقلُّص مستويات بعض أنواع البكتيريا وهبوطها دون المستوى الطبيعي يتسبّب بارتفاع حدّة الأعراض التي تترافق مع كوفيد-19 حال الإصابة به؛ إذ تبيَّن لدى تحليل 100 عيّنة من مرضى يُعانون من الفيروس SARS-CoV-2 ومُقارنتها بعينات أُخرى من أشخاص سليمين، بأنّ انخفاض تواجُد كُل من Faecalibacterium prausnitzii و Bifidobacterium bifidum و Bifidobacterium adolescentis و Eubacterium rectale بنِسَب مختلفة يرتبط مع ارتفاع شدّة الأعراض والمُضاعفات المُرافقة لكوفيد-19 عند الإصابة به؛ يأتي ذلك نتيجة انخفاض مستوى الاستجابة الالتهابيّة للمُضيف والعديد من المُؤثرات السلبيّة الأُخرى، في المُقابل قد يؤدّي ارتفاع أعداد ومستويات كُل من Ruminococcus gnavus و Ruminococcus torques و Bacteroides dorei و Bacteroides vulgatus إلى خلخلة الدور المَناعي الطبيعي الذي تلعبه هذه الكائنات الدقيقة في الأمعاء؛ ما يُسهِّل على الفيروس مَهمة غزو الجسم والتسبُّب بانتكاسة صحيّة تشمل أجهزة الجسم الأُخرى برفقة التنفسي.

البكتيريا النافعة ووظائفها في الجسم

تُعزَى الفائدة العُظمى التي تُقدّمها أنواع البكتيريا النافعة للجسم من خلال قدرتها على إنتاج حمض "البيوتيريك" Butyric acid وهو عبارة عن حمض أميني قصير السلسلة يلعب دورًا مهمًا برفقة كُل من الحمض "البروبيوني" Propionic acid وحمض الخِلِّيك أو الأسيتيك Acetic acid في الحِفاظ على صحّة الأمعاء والتجويف الهضمي؛ فهي تؤدّي العديد من الوظائف والمَهام من بينها تحفيز الخلايا التائيّة المُنظِّمة Treg على أداء دورها في السيطرة على الاستجابة المناعيّة ضدّ الأجسام الذاتيّة أو الغريبة وتجنيب تعرُّض الجسم لأحد أمراض المناعة الذاتيّة، عبر تنظيم -أو أحيانًا- تثبيط ردود الفعل التحسُسيّة للخلايا.

بحسب الدراسة الكوريّة فإنّ اختلال مستويات البكتيريا "الميكروبيوم" ككُل في التجويف الهضمي قد يكون مُقدّمة لسلسلة من المُضاعفات الخطيرة التي تُمهِّد الطريق لفيروس كورونا المُتسجد SARS-CoV-2 لانتهاك الخلايا المَعويّة من ثمّ الانتقال للأعضاء الداخليّة الأُخرى التي يتّم في مُعظم خلاياها وأنسجتها التعبير جينيًّا عن ACE2، لِذا فإنّ خطر كوفيد-19 وشدّته لدى المُصابين به يزداد بارتفاع احتماليّة تسرُّب الفيروس من الجهاز الهضمي للجهاز الدوري (القلب والشرايين)، ما يرفع من حدّة المُضاعفات التي تُرافق مرض فيروس كورونا، خصوصًا لدى كِبار السّن أو المُصابين ببعض الأمراض المُزمنة التي تُؤثِّر على بيئة الكائنات الدقيقة "ميكروبيوم" التي تحويها الأمعاء.

يُشير الباحثون إلى أنّ فحص الحمولة الفيروسيّة Viral load في البُراز عبر تحليله مخبريًا قد يُقدِّم معلومات ذات فائدة في سياق الحدّ من انتقال العدوى؛ إذ إنّ الفيروس SARS-CoV-2 يستطيع أن يبقى لفترة أطول في الجهاز الهضمي ويُطرَح مع البُراز حتى بعد تعافي الجهاز التنفسي منه، ما قد يساعد في أخذ الاحتياطات والمحاذير الّلازمة لتجنُّب العدوى.

أوصَت الدراسات بضرورة متابعة المُتعافين من كوفيد-19، ورصد حالاتهم للتوصُّل للرابط الفِعلي والدقيق بين خصوبة بيئة الأمعاء أو التجويف الهضمي ككُل بالكائنات الدقيقة النافعة وتأثير ذلك على شدّة الأعراض المرافقة لكوفيد، إلى جانب التقصِّي عن ماهيّة الدور الحقيقي الذي قد تلعبه هذه الكائنات وما إذا كان تقلُّص أعدادها عن المستوى الطبيعي نتيجة الإصابة بأمراض أو حالات صحيّة تسبق الإصابة بكوفيد-19 سببًا لتطوُّر وتفاقم المرض أو إذا ما كان تقلُّص أعدادها بسبب اجتياح الفيروس نفسه لخلايا الجسم، تبقى العديد من الأسئلة مُعلَّقة قيد البحث للإجابة عنها بطريقة علميّة تشمل أعدادًا أكبر من المرضى خلال فترة طويلة لمعرفة التأثير طويل الأمد الذي قد تجرُّه مثل هذه المشكلة.

المصادر الغذائيّة التي قد ترفع مستوى البكتيريا النافعة لتقليل خطر كوفيد-19

إلى جانب الدور حديث العهد -قيد الدراسة والبحث- الذي تلعبه البكتيريا النافعة في تحديد مقدار شدّة كوفيد-19 ومُضاعفاته لدى المُصابين، فإنّ الأمعاء بما تحتويه من كائنات دقيقة كانت -ولفترة طويلة- مسرحًا للتجارب والدراسات بغرض توكيد الدور الفعلي الذي قد تلعبه هذه البيئة الخصبة بالبكتيريا، فهي أولًا تُساعد على هضم الطعام واستخلاص المواد الغذائيّة المُفيدة منه وإمداد الجسم بحاجته منها، إضافة إلى أنّ المُنتجات الثانويّة التي تَنتُج عن عمليّة الهضم تقوم بعديد المَهام للجسم، منها: تحفيز الاستجابة المناعيّة والمساعدة في عمليات الأيض، تعيش البكتيريا المَعويّة بأنواعها في الأمعاء بظروف لا هوائيّة، لِذا يصعُب عليها أن تنجو بخلاف هذه الظروف، يُمكن تعزيز تواجدها بتوفير بيئة خصبة داخل التجويف الهضمي تُعزّز من تكاثرها بما فيه منفعة الجسم، تاليًا أهّم المصادر الغذائيّة التي قد تُعين البكتيريا على النمو بأعدادٍ وفيرة وفقًا للأبحاث والدراسات:

المصادر الغذائيّة

البكتيريا النافعة

جذور الهندباء، القمح، البصل، الموز، الثوم

Faecalibacterium prausnitzii

التوت البري، التفاح، اللوز، البصل، الثوم، الكاكاو، الشاي الأخضر، الشوفان، اللبن

Bifidobacteria

اِقرأ أيضًا

-----------------------------

كتابة: ليلى عدنان الجندي، بتاريخ: 14 يناير 2021

-----------------------------

المراجع

  1. Yeoh Y, et al. 2021. Gut microbiota composition reflects disease severity and dysfunctional immune responses in patients with COVID-19. Retrieved from https://bmj.altmetric.com/details/97481981
  2. Kim HS. 2021. Do an altered gut microbiota and an associated leaky gut affect COVID-19 severity? Retrieved from https://mbio.asm.org/content/mbio/12/1/e03022-20.full.pdf
  3. Robertson R. 2017. Why Bifidobacteria are so good for you. Retrieved from https://www.healthline.com/nutrition/why-bifidobacteria-are-good
  4. Faecalibacterium prausnitzii. (n.d.). Retrieved from https://www.gutxy.com/tag/faecalibacterium-prausnitzii/
  5. British Society for immunology. (n.d.). Regulatory T cells (Tregs). Retrieved from https://www.immunology.org/public-information/bitesized-immunology/cells/regulatory-t-cells-tregs

مصدر الصورة: https://www.pulmonologyadvisor.com/home/topics/asthma/asthma-and-the-gastrointestinal-microbiome-is-there-a-causative-link/

#كوفيد-19 #الاىستجابة المناعية #فيروس كورونا المستجد #الأمعاء #الميكروبيوم #الجهاز الهضمي